آخر تحديث :السبت-10 أكتوبر 2026-06:04م
اخبار وتقارير

أوروبا تحشد إمكانياتها لتشديد الرقابة على شبكات الإخوان

أوروبا تحشد إمكانياتها لتشديد الرقابة على شبكات الإخوان
السبت - 10 أكتوبر 2026 - 05:45 م بتوقيت عدن
- باريس، نافذة اليمن:

انتقلت التحركات الأوروبية الرامية إلى تشديد الرقابة على شبكات تنظيم الإخوان المسلمين من دائرة التحذيرات الوطنية إلى المؤسسات الأوروبية، مع إقرار البرلمان الأوروبي، في 8 أكتوبر الجاري، قرارًا يدعو إلى وضع استراتيجية مشتركة لمواجهة ما وصفه بالتغلغل الإسلاموي ونفوذ الشبكات المرتبطة بالتنظيم، في خطوة تعكس اتساع الجدل بشأن أنشطة هذه الشبكات وعلاقاتها المؤسسية ومصادر تمويلها داخل دول الاتحاد.


وحصل القرار على تأييد 381 نائبًا مقابل 167 معارضًا، فيما امتنع 15 نائبًا عن التصويت، وفق وكالة أوروبا المتخصصة في شؤون الاتحاد الأوروبي. ويدعو النص إلى وضع منهجية أوروبية لرصد مؤشرات التغلغل الإسلاموي، وتعزيز الرقابة على الأموال العامة، وفحص علاقات المؤسسات التي يُشتبه في ارتباطها بشبكات التنظيم، إلى جانب دراسة مدى استيفاء كيانات وأفراد محددين الشروط القانونية اللازمة للإدراج على القائمة الأوروبية للإرهاب.


ولا يمثل التصويت، رغم دلالته السياسية، قرارًا بحظر تنظيم الإخوان أو إدراجه تلقائيًا على قائمة الإرهاب الأوروبية، لكنه ينقل الملف إلى مستوى أوسع من التنسيق، حيث تصبح القضية مرتبطة بقدرة الدول الأعضاء على تبادل المعلومات وتقديم الأدلة، ومراجعة آليات الرقابة على التمويل العام، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات وطنية متفاوتة.



التحرك الأوروبي


تعود جذور التحرك الحالي إلى مايو 2025، عندما نشرت وزارة الداخلية الفرنسية تقريرًا حكوميًا بعنوان الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا ، تناول ما قالت السلطات إنه نفوذ للتنظيم عبر شبكات دينية وتعليمية واجتماعية، وحذّر من امتداد أنشطته إلى المؤسسات المحلية ومساحات التأثير العام.


وأعاد التقرير فتح النقاش في فرنسا بشأن طبيعة العلاقة بين العمل الديني والنشاط السياسي، وحدود استخدام الجمعيات والمؤسسات المدنية في بناء النفوذ الأيديولوجي. غير أن التعامل مع نتائجه يقتضي التمييز بين الارتباط التنظيمي المثبت، والتقارب الفكري أو الأيديولوجي، وبين المخالفات القانونية التي تستوجب إجراءات عقابية؛ إذ لا تعني الإشارة إلى مؤسسة في تقرير حكومي، بحد ذاتها، ثبوت تورطها في نشاط غير قانوني.


وفي يناير 2026، انتقل النقاش إلى الجمعية الوطنية الفرنسية، التي تبنت قرارًا يدعو إلى دراسة إدراج حركة الإخوان وقياداتها على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية. وبذلك، لم تعد المسألة محصورة في تقييم نفوذ التنظيم داخل فرنسا، بل اتجهت نحو البحث في كيفية التعامل مع شبكة توصف بأنها عابرة للحدود، وتعمل في بيئات قانونية وسياسية مختلفة.


وجاء التصويت الأخير في البرلمان الأوروبي ليمنح هذا المسار زخمًا جديدًا، عبر طرح استراتيجية مشتركة تتناول الرقابة المالية والعلاقات المؤسسية، بدلًا من حصر المواجهة في المطالبات السياسية بتصنيف التنظيم.


لماذا بروكسل؟


تنبع أهمية التحرك الأوروبي من أن أي شبكة تعمل عبر عدة دول تستطيع الاستفادة من اختلاف القوانين والإجراءات الوطنية، سواء في ما يتعلق بتمويل الجمعيات أو الإفصاح عن المستفيدين النهائيين أو الرقابة على الأنشطة المؤسسية. ومن هنا، تسعى باريس إلى توسيع نطاق المواجهة، بحيث لا تظل الإجراءات محكومة بحدود الدولة التي ترصد نشاطًا أو تشتبه في ارتباط مؤسسة معينة بالتنظيم.


وتتيح المقاربة الأوروبية، إذا ترجمت إلى إجراءات تنفيذية، تعزيز تبادل المعلومات بين الأجهزة المختصة، ومراجعة شروط منح الأموال العامة، وتدقيق الجهات المستفيدة من البرامج الأوروبية، وفحص العلاقات بين المؤسسات التي تعمل في أكثر من دولة عضو.


وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالتمويل العام؛ إذ إن إخضاع المنح والبرامج لمعايير الشفافية والمساءلة يتيح التحقق من أوجه إنفاق الأموال ومدى التزام الجهات المستفيدة بشروط التمويل. لكن فاعلية هذه الرقابة ستتوقف على وجود معايير واضحة وأدلة قابلة للفحص، لا على مجرد الاشتباه أو التصنيف الأيديولوجي.


وتقود النائبة الفرنسية سيلين إيمار، المنتمية إلى حزب الشعب الأوروبي، جهودًا داخل البرلمان لدفع هذا الاتجاه، مع المطالبة بتشديد الرقابة على الأموال الأوروبية وفحص علاقات المنظمات التي يُشتبه في صلتها بشبكات الإخوان، والنظر في مدى انطباق المعايير القانونية للإرهاب على كيانات وأفراد محددين.


ويكشف هذا التحرك عن انتقال النقاش من سؤال ما إذا كان التنظيم يمتلك نفوذًا داخل المجتمعات الأوروبية، إلى سؤال أكثر عملية: هل توجد آليات كافية لتتبع مصادر التمويل، والتحقق من المستفيدين، ومحاسبة أي جهة يثبت تجاوزها للقوانين أو استخدامها الموارد العامة في أنشطة محظورة؟


الرقابة المالية


يمثل التمويل أحد أبرز محاور التحرك الأوروبي، بالنظر إلى أن الجمعيات والمؤسسات المدنية تستطيع العمل في مجالات متعددة، تشمل التعليم والعمل الاجتماعي والأنشطة الدينية والشبابية. وتتمثل المعضلة أمام السلطات في التمييز بين العمل المدني المشروع وبين أي نشاط يثبت أنه يستغل هذه المؤسسات لتحقيق أهداف غير قانونية أو الالتفاف على ضوابط التمويل.


ومن هذا المنطلق، تدعو المقاربة المطروحة إلى تعزيز تتبع الأموال العامة، والتحقق من المستفيدين النهائيين، وفحص الروابط المؤسسية عند وجود مؤشرات تستدعي التدقيق. وإذا نُفذت هذه الإجراءات وفق قواعد موحدة، فقد تحد من التباينات بين الدول الأعضاء وتمنع تحول الاختلاف في الأنظمة الرقابية إلى ثغرات تستفيد منها الشبكات العابرة للحدود.


لكن الرقابة لا تكتسب مشروعيتها من اتساعها وحده، بل من دقتها أيضًا. فالتوسع في الاشتباه دون أدلة كافية قد يضع مؤسسات مشروعة تحت طائلة القيود، بينما يؤدي التساهل في تدقيق الأموال والعلاقات المؤسسية إلى إضعاف قدرة السلطات على رصد التجاوزات الفعلية. ولذلك، ستكون الشفافية والمعايير القانونية القابلة للتحقق عاملين حاسمين في تحديد مدى نجاح الاستراتيجية المقترحة.


تحفظات أوروبية


لم يمر النقاش من دون اعتراضات على طريقة صياغة الملف وحدود الإجراءات المقترحة. فقد حذرت النائبة الفرنسية ناتالي لوازو، المنتمية إلى مجموعة تجديد أوروبا ، خلال المفاوضات، من الخلط بين التغلغل المؤسسي والإرهاب، وشددت على ضرورة التمييز بين مكونات التيار المرتبط بالإخوان وعدم التعامل معها جميعًا باعتبارها تنظيمات إرهابية.


كما تضمن المسار الأوروبي تأكيدات على أن نقد الأيديولوجيات السياسية لا ينبغي أن يتحول إلى استهداف للدين الإسلامي أو للمسلمين، وأن حماية الأفراد من التمييز تظل التزامًا ديمقراطيًا.


ويضع هذا الجدل الاتحاد الأوروبي أمام معادلة دقيقة: تشديد الرقابة على الشبكات التي يثبت تورطها في أنشطة مخالفة للقانون، مع حماية حرية الدين والعمل المدني وحقوق الأفراد والمؤسسات التي لا تثبت بحقها مخالفات. فالتصنيف الأمني لا يمكن أن يحل محل التحقيق القانوني، كما أن الانتماء الديني أو التقارب الفكري لا يكفيان وحدهما لإثبات التورط في الإرهاب.


ومن شأن الالتزام بهذه الضوابط أن يمنح أي إجراءات مستقبلية أساسًا قانونيًا أكثر صلابة، ويحد من الطعون والاعتراضات التي قد تنشأ إذا استندت القيود إلى تعميمات واسعة بدلًا من أدلة محددة.


تصنيف الإخوان


على الرغم من الأغلبية التي أيدت القرار، فإن الطريق إلى إدراج تنظيم الإخوان أو أي من الكيانات والأفراد المرتبطين به على القائمة الأوروبية للإرهاب يظل مسارًا قانونيًا منفصلًا. فالقرار البرلماني الحالي يدعو إلى استراتيجية مشتركة وإلى فحص مدى انطباق المعايير، لكنه لا يفرض تصنيفًا تلقائيًا ولا يساوي بين جميع المؤسسات التي تُنسب إليها صلات بالتنظيم.


ويتطلب الإدراج على القائمة الأوروبية استيفاء الشروط القانونية المعتمدة، وتقديم أساس واقعي وأدلة ذات صلة، واتخاذ القرار عبر الآليات المختصة في الاتحاد. وهو ما يجعل الانتقال من التوصيات السياسية إلى الإجراءات الملزمة مرهونًا بموقف الدول الأعضاء وقدرتها على التوصل إلى تقييم قانوني مشترك.


وبذلك، تكون فرنسا قد نجحت في توسيع نطاق النقاش بشأن تنظيم الإخوان من الساحة الوطنية إلى البرلمان الأوروبي، لكنها لم تحسم بعد مسألة التصنيف أو الحظر على المستوى القاري.


وتبقى المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة المؤسسات الأوروبية على تحويل التصويت إلى قواعد تنفيذية واضحة، تشمل تدقيق التمويل وتبادل المعلومات وفحص الروابط المؤسسية، من دون تحويل الاشتباه إلى إدانة مسبقة. فالمعيار الحاسم لن يكون عدد الأصوات المؤيدة للقرار وحده، بل مدى قدرة الاتحاد على تطبيق القانون بصورة متسقة، وتحديد المسؤولية على أساس الأدلة، ومحاسبة الجهات التي تثبت مخالفتها للقواعد المعمول بها.