آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-05:55م
ملفات

مصر والقرن الأفريقي في خطر.. تقرير يفند أبعاد سيطرة الحوثيين على باب المندب

مصر والقرن الأفريقي في خطر.. تقرير يفند أبعاد سيطرة الحوثيين على باب المندب
الأحد - 20 سبتمبر 2026 - 05:31 م بتوقيت عدن
- عدن، نافذة اليمن:

لم تعد تداعيات تمدد ميليشيا الحوثي الإيرانية على الساحل الغربي محصورة في الجغرافيا اليمنية أو في أمن الملاحة الدولية، إذ يفتح سيطرة الميليشيات على باب المندب مسارًا جديدًا من المخاطر يمتد إلى الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، ويضع مصر وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا والصومال والسودان أمام تداعيات أمنية واقتصادية متزايدة.


وحذر تقرير نشره موقع ذا كونفرسيشن البريطاني، من أن سيطرة الحوثيين على مواقع ساحلية وجزر استراتيجية في البحر الأحمر تمنح الجماعة منصة متقدمة لتهديد حركة الملاحة، معتبرًا أن توسعها خلال سبتمبر 2026 يفرض تحديات تتجاوز الجانب اليمني إلى منظومة الأمن البحري والاقتصادي لدول المنطقة.


وأشار التقرير إلى أن الحوثيين سيطروا على ميناء المخا وجزيرة ميون وأرخبيل زقر وحنيش، وهي مواقع ذات أهمية جغرافية في محيط باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل أحد أهم الممرات البحرية التي تربط الأسواق الآسيوية والأوروبية.


وتكمن خطورة هذا التوسع، وفق التقرير، في أن الجماعة لا تتحرك في مساحة بحرية هامشية، بل تقترب من واحدة من أبرز نقاط الاختناق في التجارة العالمية، ما يمنحها، في حال تثبيت وجودها العسكري، قدرة أكبر على مراقبة الملاحة أو تهديدها باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية والألغام البحرية.


ويحذر التقرير من أن وجود جماعة مسلحة مدعومة من إيران بالقرب من باب المندب، بالتزامن مع احتفاظ طهران بقدراتها على التأثير في مضيق هرمز، يخلق احتمالًا لاضطراب متزامن في نقطتي اختناق بحريتين بالغتي الأهمية، وهو سيناريو من شأنه تقليص خيارات شركات الشحن ورفع كلفة تأمين ونقل البضائع والطاقة.


فاتورة اقتصادية مباشرة


وتبدو مصر بين أكثر الدول تعرضًا للتداعيات الاقتصادية المباشرة، نظرًا لاعتماد قناة السويس على استقرار حركة الملاحة بين البحر الأحمر والبحر المتوسط. ووفق التقرير، تسببت هجمات الحوثيين السابقة على السفن التجارية في خسائر كبيرة لإيرادات قناة السويس، إذ يشير إلى أن القاهرة فقدت نحو 7 مليارات دولار من إيرادات القناة خلال عام 2024 نتيجة تراجع حركة الملاحة.


لكن المؤشرات الرسمية المصرية أظهرت لاحقًا تحسنًا تدريجيًا في حركة القناة، إذ أعلنت هيئة قناة السويس في يناير وفبراير 2026 ارتفاع أعداد السفن والحمولات والإيرادات خلال النصف الأول من السنة المالية 2025-2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما أشارت الهيئة إلى أن عودة الاستقرار في البحر الأحمر تمثل عاملًا أساسيًا لاستعادة الخطوط الملاحية مسار باب المندب وقناة السويس.


وهنا تكمن المفارقة التي يلفت إليها التقرير: فكل تحسن في حركة الملاحة يظل معرضًا للانتكاس إذا تمكن الحوثيون من تحويل مكاسبهم البرية الجديدة إلى بنية عسكرية مستقرة على الساحل والجزر القريبة من باب المندب.


وبمعنى آخر، فإن الخطر لا يتعلق فقط بما إذا كانت السفن ستتعرض لهجمات مباشرة، بل أيضًا بما إذا كانت شركات النقل والتأمين ستعتبر المنطقة غير مستقرة بما يكفي لإعادة توجيه السفن بعيدًا عن البحر الأحمر، بما يعيد الضغط على إيرادات قناة السويس ويزيد تكلفة التجارة العالمية.


ولا تتوقف التداعيات عند مصر؛ إذ يضع الموقع الجغرافي لجيبوتي وإثيوبيا الدولتين أمام مخاطر متشابكة. فجيبوتي تمثل نقطة ارتكاز رئيسية لحركة التجارة الإثيوبية، فيما تعتمد إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، بصورة كبيرة على الموانئ وشبكات النقل التي تمر عبر الأراضي الجيبوتية.


وبالتالي فإن أي اضطراب طويل الأمد في باب المندب لا يمثل تهديدًا للملاحة الدولية فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى مشكلة مباشرة بالنسبة لسلاسل الإمداد الإثيوبية، من خلال ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وزيادة المخاطر المحيطة بالموانئ وطرق التجارة.


أما إريتريا، فيضعها موقعها الساحلي الاستراتيجي في قلب التنافس المتصاعد على النفوذ في البحر الأحمر، في وقت تسعى فيه القوى الإقليمية إلى منع انتقال النفوذ الإيراني والحوثي إلى الجانب الأفريقي من الممر البحري.


تداخل أزمات وساحة تنافس


ويشير التقرير إلى أن التوسع الحوثي يأتي في بيئة إقليمية تعاني أصلًا من أزمات أمنية حادة، خصوصًا في الصومال والسودان. ويحذر من أن أي تمدد إضافي للشبكات المسلحة في البحر الأحمر وخليج عدن يمكن أن يتقاطع مع نشاط الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة والقرصنة، بما يضاعف الضغوط على الدول الأفريقية التي تواجه أصلًا تحديات أمنية واقتصادية كبيرة.


وتكتسب هذه المخاطر أهمية خاصة بالنسبة للصومال، حيث تمثل القرصنة والتهديدات البحرية جزءًا من منظومة أمنية معقدة ترتبط بالنشاط المسلح وحماية خطوط الملاحة. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب في السودان يزيد من هشاشة البيئة الأمنية على الساحل الغربي للبحر الأحمر.


ويرى التقرير أن الخطر الأكبر يكمن في احتمال تداخل هذه الأزمات، بحيث لا يعود التهديد الحوثي منفصلًا عن بقية شبكات الصراع والتهريب والجماعات المسلحة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.


ولا يقدم التقرير التوسع الحوثي باعتباره أزمة عسكرية منفردة، بل يضعه ضمن تنافس إقليمي أوسع على السيطرة والنفوذ في البحر الأحمر. ويشير إلى التنافس حول الموانئ والقواعد البحرية والممرات الاستراتيجية، بما في ذلك التوترات المرتبطة بعلاقات إثيوبيا وأرض الصومال، والتحركات المصرية والسعودية والتركية والصومالية، إلى جانب الحضور الإماراتي والإسرائيلي والإيراني في المنطقة.


إن تمدد الحوثيين يضيف عنصرًا جديدًا إلى معادلة معقدة أصلًا، إذ يمكن لأي تقدم عسكري للجماعة على الساحل اليمني أن يدفع دول الضفة الأفريقية إلى إعادة حساباتها الأمنية والعسكرية، خشية تحول باب المندب إلى نقطة نفوذ إيرانية متقدمة.


وتزداد حساسية المشهد مع ما أورده التقرير بشأن مساعي إيران لتعزيز نفوذها في ممر البحر الأحمر، في مقابل تحركات دول المنطقة لبناء ترتيبات أمنية وجماعية تحافظ على أمن الملاحة وتمنع تحول المضيق إلى ساحة نفوذ أحادي.


أفريقيا أمام اختبار أمني جديد


وتشير القراءة التي يقدمها التقرير إلى أن اختزال الخطر الحوثي في استهداف السفن التجارية قد لا يكون كافيًا لفهم تداعيات السيطرة على أجزاء من الساحل الغربي والجزر القريبة من باب المندب. فامتلاك مواقع ساحلية وجزرية مطلة على الممر البحري يمكن أن يوفر للجماعة، في حال تمكنت من تثبيت بنيتها العسكرية، عمقًا أكبر لعمليات المراقبة والاستطلاع والتهديد، ويمنحها قدرة على التأثير في حسابات شركات النقل والدول التي تعتمد على استمرار حركة الملاحة.


وهذا يعني أن الخطر الاقتصادي قد يبدأ حتى قبل وقوع هجمات جديدة، إذا أدت المخاوف الأمنية إلى ارتفاع تكاليف التأمين أو دفع شركات الشحن إلى تجنب المنطقة.


وفي مواجهة هذه المخاطر، يرى التقرير أن دول البحر الأحمر الأفريقية لا تستطيع التعامل منفردة مع التهديدات المتزايدة، وأن المطلوب هو تعزيز التعاون في مجال الأمن البحري وتبادل المعلومات وتنويع طرق التجارة والوصول إلى الموانئ.


وتوجد بالفعل أطر إقليمية لهذا التعاون؛ إذ تضم مدونة جيبوتي لقواعد السلوك وتعديل جدة دولًا عدة في المنطقة، وتركز على مكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن وجرائم بحرية أخرى، مع توسيع نطاق التعاون ليشمل تبادل المعلومات وبناء القدرات والتصدي لأنشطة غير مشروعة في البحر.


كما أطلقت الدول المشاركة إطارًا للتعاون العملياتي البحري في منطقة غرب المحيط الهندي وخليج عدن، بهدف تحويل الالتزامات السياسية إلى تعاون عملي بين القوات البحرية وأجهزة إنفاذ القانون والجهات التنظيمية.


لكن التحدي، وفق التقرير، لا يتمثل فقط في إنشاء أطر التعاون، وإنما في امتلاك القدرة الفعلية على تشغيلها، عبر توفير السفن والمعلومات الاستخباراتية والكوادر والأطر القانونية اللازمة.


إن التوسع الحوثي على الساحل الغربي لليمن يعيد رسم معادلة الأمن في البحر الأحمر من بوابة باب المندب. فالجماعة، التي بدأت عملياتها البحرية من نطاق يمني، باتت تحركاتها ترتبط بصورة مباشرة بأمن دول تقع على الضفة الأخرى من البحر.


وبالنسبة لمصر، فإن القضية تتجاوز الأمن البحري إلى عائدات قناة السويس ومكانتها في حركة التجارة العالمية، بينما تواجه جيبوتي وإثيوبيا وإريتريا مخاطر مرتبطة بالموانئ وسلاسل الإمداد والنفوذ الإقليمي، في حين يمكن أن تتقاطع التداعيات مع أزمات الصومال والسودان.


ويتحول باب المندب من مضيق يفصل بين ضفتين إلى نقطة تتقاطع عندها صراعات اليمن وإيران وأمن الملاحة والتنافس الإقليمي في أفريقيا، مع بقاء السؤال الأهم حول قدرة دول المنطقة على احتواء هذا التوسع قبل أن يتحول البحر الأحمر إلى ساحة نفوذ وصراع أكثر اتساعًا.