لم يكد الحوثيون يثبتون سيطرتهم على عدد من المواقع والمدن الساحلية في غرب اليمن حتى بدأت المعارك تتخذ شكلاً مختلفاً، مع انتقال القوات الحكومية والقوى المناهضة لهم إلى محاولة استعادة المبادرة وفتح جبهات مضادة في تعز ولحج ومأرب. وبينما تبدو خريطة السيطرة الجديدة وكأنها تمنح الجماعة مكاسب استراتيجية مهمة، فإن اتساع رقعة انتشارها قد يتحول تدريجياً إلى عبء عسكري يفرض عليها خوض معركة أطول وأكثر كلفة.
وتتركز المواجهات حاليا في ثلاث محافظات، فيما تترافق العمليات البرية مع غارات جوية تستهدف مواقع الحوثيين، في مؤشر إلى أن التقدم الذي حققته الجماعة على الساحل الغربي لم يؤد إلى انهيار كامل في معسكر خصومها. وتقول تقارير ميدانية إن القتال يتواصل في مناطق من تعز ولحج، بينما تستمر الاشتباكات والقصف في مأرب، بما يعكس عودة خطوط التماس إلى الحركة بعد فترة من الهدوء النسبي.
ويختلف هذا الوضع عن الأيام الأولى للهجوم الحوثي، حين بدت سرعة التقدم على الساحل الغربي وكأنها تتيح للجماعة فرض أمر واقع جديد. فقد تمكن الحوثيون خلال هجوم خاطف من السيطرة على مدينة المخا ومناطق ساحلية أخرى والتقدم باتجاه باب المندب، في وقت تراجعت فيه قوات مناهضة لهم أمام ضغط الهجوم.
لكن السيطرة على الأرض شيء، والاحتفاظ بها شيء آخر. فكل تقدم جديد يعني بالنسبة إلى الحوثيين خطوط إمداد أطول، ومواقع أكثر تحتاج إلى الحماية، وقوات يتعين توزيعها على مساحة جغرافية واسعة. وإذا تحولت المناطق التي سيطروا عليها حديثاً إلى جبهات مفتوحة للهجمات المضادة، فإن الجماعة قد تجد نفسها أمام معادلة استنزاف تختلف كثيرا عن معادلة الهجوم السريع التي منحتها أفضلية في بداية التصعيد.
وتكتسب جبهة تعز أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما لأنها يمكن أن تشكل حلقة وصل بين الساحل والمناطق الداخلية. كما أن القتال في لحج ومأرب يفرض على الحوثيين التعامل مع أكثر من محور في وقت واحد، بدلاً من التركيز على تثبيت مكاسبهم الساحلية. ويعني ذلك أن أي محاولة لاستكمال التقدم جنوباً باتجاه باب المندب ستحتاج إلى تأمين المناطق الخلفية، وهو ما قد يبطئ اندفاعة الجماعة ويفرض عليها استنزافاً متواصلاً.
كل تقدم جديد يعني بالنسبة إلى الحوثيين خطوط إمداد أطول، ومواقع أكثر تحتاج إلى الحماية، وقوات يتعين توزيعها على مساحة جغرافية واسعة
ولا تقتصر كلفة التمدد على الجانب العسكري. فقد أدى التصعيد إلى موجة نزوح واسعة، إذ قالت منظمة الهجرة الدولية إن أكثر من 112 ألف شخص نزحوا داخلياً خلال فترة قصيرة، فيما فر قرابة ثلاثة آلاف شخص بحراً إلى جيبوتي. وكانت أرقام المنظمة قد تجاوزت 100 ألف نازح حتى منتصف سبتمبر، مع تركز كبير للنزوح في تعز ولحج ومناطق الساحل الغربي.
وتضع هذه الأرقام الحوثيين أمام مشكلة أخرى: السيطرة على مناطق مأهولة ومدن ساحلية تعاني أصلا من هشاشة الخدمات والبنية التحتية تعني تحمل مسؤوليات أمنية وإدارية أكبر. كما أن استمرار القتال يحد من قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى السكان، فيما يزداد الضغط على المناطق التي تستقبل موجات النازحين.
وفي المقابل، يبدو أن خصوم الحوثيين يحاولون استثمار عامل الوقت لإعادة تنظيم خطوطهم. فبدلاً من محاولة وقف التقدم الحوثي في معركة واحدة حاسمة، تتشكل أمام الجماعة مجموعة من الجبهات التي يمكن أن تجبرها على توزيع قواتها ومواردها. وإذا استمرت هذه المعادلة، فقد تصبح المكاسب التي تحققت بسرعة في الساحل الغربي بحاجة إلى جهد عسكري أكبر بكثير للحفاظ عليها.
وتزداد حساسية الوضع بسبب الموقع الجغرافي للمناطق التي سيطر عليها الحوثيون. فالتقدم نحو باب المندب لا يتعلق فقط بالحرب اليمنية، وإنما يضع واحداً من أهم الممرات البحرية العالمية تحت ضغط إضافي. وقد أثارت التطورات الأخيرة دعوات دولية إلى تعزيز الحماية البحرية، فيما أظهرت بيانات حركة الملاحة استمرار التأثر بالتوترات المحيطة بالبحر الأحمر.
غير أن تحويل السيطرة الجغرافية إلى نفوذ مستدام على باب المندب يظل أكثر تعقيداً من تحقيق اختراق عسكري سريع. فالممر البحري جزء من معادلة إقليمية ودولية واسعة، وأي تهديد طويل الأمد للملاحة يمكن أن يدفع قوى إقليمية ودولية إلى تعزيز وجودها الأمني والعسكري في البحر الأحمر.
ومن هنا قد تكمن المفارقة الأساسية في الهجوم الحوثي الأخير. فالجماعة نجحت في توسيع نطاق نفوذها خلال فترة قصيرة، لكنها في الوقت نفسه أعادت إشعال حرب كانت قد تراجعت حدتها منذ هدنة 2022، وفتحت أمام نفسها جبهات متعددة، ودفعت خصومها إلى البحث عن وسائل جديدة لاستعادة زمام المبادرة. كما أن اتساع الحرب أدى إلى كلفة إنسانية متسارعة، ما يزيد الضغوط الدولية والإقليمية لوقف التصعيد.
ولا يعني ذلك أن التمدد الحوثي سيتحول تلقائيا إلى نقطة ضعف، فالجماعة أثبتت خلال سنوات الحرب قدرتها على العمل في بيئة عسكرية معقدة والاستفادة من الانقسامات داخل خصومها. لكن استمرار التقدم يتطلب معادلة مختلفة عن تلك التي حكمت الهجوم الأول: تأمين الأرض، حماية طرق الإمداد، التعامل مع الهجمات المضادة، وإدارة مناطق جديدة وسط بيئة سكانية وإنسانية شديدة التعقيد.
وبذلك تدخل الحرب اليمنية مرحلة قد لا يكون فيها السؤال الرئيسي هو إلى أي مدى يستطيع الحوثيون التقدم، وإنما هل يستطيعون الاحتفاظ بما سيطروا عليه من دون الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة؟ فكلما اتسعت الخريطة التي يريدون السيطرة عليها، ارتفعت معها كلفة حمايتها، وقد تتحول المكاسب السريعة التي حققوها إلى جبهات متعددة تستنزف قدرتهم على مواصلة الهجوم.