لم يعد التصعيد حول باب المندب شأنا إقليميا محصورا في الحرب اليمنية أو المواجهة السعودية مع الحوثيين، بعدما دخلت الصين على خط الأزمة، مدفوعة بمصالحها المباشرة في أمن الطاقة وحركة التجارة. فالتقدم الحوثي على ساحل البحر الأحمر والاقتراب من واحد من أهم الممرات البحرية العالمية يضع بكين أمام معادلة أكثر تعقيدا: الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع إيران، من دون السماح بأن تتحول أدوات النفوذ الإيرانية في المنطقة إلى تهديد للمصالح الصينية.
وبحسب ثلاثة مصادر إيرانية مطلعة نقلت عنها رويترز، طلبت الصين سرا من طهران استخدام نفوذها لدى الحوثيين للمساعدة في كبح الجماعة ومنع اتساع الصراع، وذلك بعد أن طلبت السعودية من بكين المساعدة عقب التقدم الحوثي السريع على ساحل البحر الأحمر وحول باب المندب.
ولم تحدد المصادر كيفية نقل الرسالة، أو ما إذا كانت قد طرحت خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين الأربعاء.
وتعكس هذه الخطوة تحولا في طريقة النظر إلى باب المندب. فالصين التي اكتفت في خطابها العلني بالدعوة إلى ضبط النفس والحوار واستعادة أمن الملاحة، تبدو وفق الرواية الإيرانية أكثر مباشرة في اتصالاتها الخاصة، إذ تريد منع امتداد الحرب إلى طرق الطاقة التي تعتمد عليها.
وقالت الخارجية الصينية، ردا على تقرير رويترز، إن بكين لا تريد أن يمتد التوتر الإقليمي إلى اليمن والبحر الأحمر، وإن تفاقم عدم الاستقرار ليس في مصلحة أي طرف.
وتأتي هذه الرسالة في وقت اكتسب فيه الحوثيون موقعا أكثر حساسية على الساحل الغربي لليمن. فقد أدى سقوط المخا ووصول الحوثيين إلى مناطق وجزر قريبة من باب المندب إلى تغيير المعادلة العسكرية حول المضيق، بينما باتت الملاحة والطاقة جزءا مباشرا من حسابات الحرب.
وكانت رويترز قد أفادت الأسبوع الماضي بأن الحوثيين وصلوا إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضا باسم بريم، في خطوة عززت المخاوف من تشديد قبضتهم على أحد أهم طرق الشحن العالمية.
وتزداد أهمية التطور بالنسبة إلى الصين بسبب تزامنه مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. فقد أظهرت بيانات تتبع أولية أن ثلاث سفن تجارية فقط عبرت هرمز الأربعاء، مقابل 12 في اليوم السابق ومتوسط يومي بلغ 17 سفينة خلال عشرة أيام، بينما تراجعت أيضا حركة السفن عبر باب المندب.
وبذلك، تجد الصين نفسها أمام احتمال اضطراب ممرين بحريين متصلين بشبكة الطاقة العالمية في وقت واحد. وإذا كان هرمز يمثل البوابة الرئيسية لصادرات النفط الخليجية، فإن باب المندب يوفر الطريق البحري الذي يربط البحر الأحمر بقناة السويس والبحر المتوسط. وأي اضطراب طويل في المسارين يرفع تكاليف النقل والطاقة ويزيد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للنفط، وفي مقدمتها الصين.
لكن بكين لا تتحرك من موقع الوسيط المحايد تماما. فالصين هي الشريك التجاري الأهم لإيران والمشتري الرئيسي لنفطها، كما تعتمد على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج. ووفقا للبيانات التي أوردتها رويترز، شكلت المشتريات الصينية أكثر من 80 في المئة من صادرات النفط الإيرانية المنقولة بحرا خلال عام 2025، بمتوسط بلغ نحو 1.4 مليون برميل يوميا. كما يأتي جزء كبير من واردات الصين النفطية من منطقة الشرق الأوسط.
وهنا تظهر حدود النفوذ الصيني. فطهران تحتاج إلى بكين اقتصاديا واستراتيجيا في ظل العقوبات والحرب مع الولايات المتحدة، لكن المصادر الإيرانية التي تحدثت إلى رويترز قالت إن المصالح الصينية ليست سوى عامل واحد ضمن حسابات إيرانية متعددة. والأهم أن طهران لم تقدم، وفقا للمصادر، التزاما واضحا بالاستجابة للمطلب الصيني، بل ربطت استقرار المنطقة بإنهاء الحرب الأميركية والإسرائيلية عليها.
كما أن السؤال الأكثر تعقيدا يتعلق بمدى قدرة إيران نفسها على التأثير في قرارات الحوثيين. فحتى مع الاعتراف بالعلاقة الوثيقة بين الطرفين والدعم الإيراني للجماعة، فإن تحويل النفوذ السياسي والعسكري إلى قرار ملزم بوقف التصعيد في باب المندب يظل مسألة مختلفة، خصوصا في ظل تطور الحرب اليمنية وتداخلها مع المواجهة الإقليمية الأوسع.
وتملك الصين ورقة أخرى في هذا السياق هي تجربتها الدبلوماسية السابقة مع السعودية وإيران. فقد لعبت بكين في 2023 دورا في الاتفاق الذي أعاد العلاقات بين الرياض وطهران، ما منحها صورة الوسيط القادر على التواصل مع الطرفين. لكن أزمة باب المندب تختبر هذه القدرة في ظرف أكثر تعقيدا، لأن المطلوب هذه المرة ليس فقط التقريب بين دولتين، وإنما التأثير في مسار جماعة مسلحة تتحرك داخل حرب مفتوحة.
لذلك، فإن دخول باب المندب في الحسابات الصينية لا يعني أن بكين قررت الانخراط عسكريا أو تحمل مسؤولية أمن البحر الأحمر. الأرجح أن مصالحها تدفعها أولا إلى استخدام الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية المتاحة لديها لدى طهران، ومحاولة منع الأزمة من الوصول إلى مستوى يهدد تجارتها وإمداداتها النفطية بصورة أوسع.
ويبقى الاختبار الحقيقي في مدى استعداد الصين للانتقال من الرسائل الدبلوماسية إلى ممارسة نفوذ فعلي. فإذا نجحت بكين في دفع طهران إلى احتواء التصعيد الحوثي، فإن ذلك سيعزز موقعها كقوة قادرة على التأثير في أزمات الشرق الأوسط.
أما إذا استمرت الهجمات واضطربت الملاحة في باب المندب بالتزامن مع أزمة هرمز، فستجد الصين نفسها أمام كلفة استراتيجية واقتصادية متزايدة، وستصبح حدود نفوذها على طهران أكثر وضوحا.