لم يعد التصعيد الحوثي ضد السعودية مجرد امتداد للمواجهة داخل اليمن. فانتقال الجماعة من التصدي لتقدم القوات الحكومية والقوى اليمنية الأخرى على جبهات عدة إلى استهداف مدن ومنشآت طاقة في جنوب المملكة يفتح سؤالاً أكبر: هل تحاول جماعة الحوثيين جر السعودية إلى مواجهة مباشرة معها، بما يجعلها طرفاً في حرب أوسع بالوكالة عن إيران؟
السؤال يزداد أهمية مع التصعيد الذي شهدته الساعات الأخيرة، بعدما أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين أن الجماعة ستعلن عن عملية عسكرية واسعة في العمق السعودي، قبل أن تؤكد وزارة الطاقة السعودية تعرض عدد من منشآت ومرافق قطاع الطاقة في المنطقة الجنوبية للاستهداف صباح الثلاثاء.
وقالت الوزارة إن الهجمات أدت إلى اندلاع حرائق وتوقف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية، بينما باشرت الفرق المختصة احتواء الحرائق وتأمين المواقع وتقييم الأضرار. وأعلنت السلطات السعودية لاحقاً إصابة 73 شخصاً في الهجمات التي طاولت مناطق أبها وخميس مشيط وجازان ونجران.
بهذا المعنى، لم يعد الاستهداف الحوثي محصوراً في أهداف عسكرية أو مواقع مرتبطة مباشرة بالعمليات السعودية في اليمن، وإنما وصل إلى قلب المعادلة الاقتصادية السعودية: الطاقة والمنشآت الحيوية.
التوقيت يحمل دلالة لا تقل أهمية عن طبيعة الأهداف. فالقوات الحكومية اليمنية والقوى المتحالفة معها كثفت خلال الفترة الأخيرة عملياتها ضد الحوثيين على أكثر من جبهة، بينها الحديدة وتعز والبيضاء، ما وضع الجماعة أمام ضغط عسكري متزايد داخل اليمن. وتأتي الهجمات على السعودية في هذا السياق، وكأن الحوثيين يريدون تغيير قواعد الاشتباك بدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن مواقعهم.
فالرد على تقدم القوات اليمنية يمكن أن يبقى، منطقياً، داخل الجغرافيا اليمنية. لكن نقل الضربات إلى السعودية يوسع ساحة الحرب ويجعل الرياض أمام معادلة مختلفة: هل ترد داخل اليمن بقوة أكبر، أم تتجنب الانجرار إلى حرب استنزاف جديدة؟
ويبدو أن الحوثيين يراهنون على أن الضغط على السعودية في منشآتها الحيوية قد يكون أكثر تأثيراً من مواجهة خصومهم اليمنيين على خطوط التماس.
اللافت أن الجماعة كثفت خلال الأسابيع الماضية استهداف منشآت الطاقة السعودية، بما في ذلك مواقع مرتبطة بأرامكو في جازان ونجران، بالتوازي مع تهديدات استهدفت الملاحة السعودية في البحر الأحمر. وكانت الجماعة قد أعلنت في يوليو/تموز ما وصفته بحصار بحري على السعودية، ثم توالت الهجمات على ناقلات ومنشآت نفطية.
وهذا يوحي بأن الهدف لا يتعلق فقط بإيصال رسالة عسكرية إلى الرياض، بل بإحداث كلفة اقتصادية وأمنية متراكمة.
فالطاقة السعودية ليست مجرد قطاع اقتصادي؛ إنها جزء من صورة الدولة وقدرتها على حماية منشآتها الحيوية، كما أن أي اضطراب طويل فيها يمكن أن تكون له انعكاسات على الأسواق العالمية.
ومن هنا تصبح الضربة الحوثية ذات قيمة سياسية حتى عندما تكون أضرارها المادية محدودة أو مؤقتة: يكفي أن تثبت الجماعة قدرتها على الوصول إلى منشآت استراتيجية لإجبار السعودية على تخصيص مزيد من الموارد للدفاع، ورفع مستوى التأهب، وإعادة حساباتها في الحرب اليمنية.
ويرى مراقبون أنه يصعب فصل التصعيد الحوثي عن موقع الجماعة في شبكة القوى المتحالفة مع إيران في المنطقة.
وتكمن أهمية ذلك في أن إيران تخوض في الوقت نفسه مواجهة إقليمية أوسع، وتتعرض لضغوط متعددة على جبهات مختلفة. وفي مثل هذه البيئة، يمكن لحلفائها الإقليميين أن يشكلوا أدوات ضغط غير مباشرة على خصومها، من دون أن تضطر طهران إلى فتح جبهة مباشرة مع السعودية.
وهنا تظهر فرضية الحرب بالوكالة: أن تتحول السعودية إلى طرف في مواجهة مع الحوثيين، بينما تستفيد إيران من استنزاف الرياض وإبقائها منشغلة بجبهة جنوبية، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع أزمات إقليمية أخرى.
لكن هذه الفرضية تصطدم بحسابات الحوثيين أنفسهم. فالجماعة ليست مجرد أداة عسكرية إيرانية، ولديها مشروعها اليمني وحساباتها الخاصة، وقد يكون استهداف السعودية جزءاً من محاولة لتحسين موقعها التفاوضي والعسكري، وليس بالضرورة تنفيذاً لخطة إيرانية أوسع.
المعضلة بالنسبة إلى الرياض أن عدم الرد القوي قد يُفسر حوثياً على أنه نجاح للضغط، بينما قد يؤدي الرد العسكري الواسع إلى توسيع الحرب وإعادة إنتاج نموذج السنوات الأولى من التدخل السعودي في اليمن.
وقد تعهد التحالف الذي تقوده السعودية باتخاذ إجراءات لردع التهديد الحوثي، بعد الهجمات الأخيرة.
وهنا تحديداً قد يكون الرهان الحوثي: دفع السعودية إلى الرد، ثم استخدام الرد السعودي لتبرير مزيد من الهجمات، وتحويل المواجهة إلى حلقة تصعيد متبادل يصعب الخروج منها.
إذا نجحت هذه المعادلة، فإن الحرب اليمنية لن تبقى حرباً على السلطة داخل اليمن، بل ستتحول تدريجياً إلى إحدى ساحات الصراع الإقليمي بين إيران وخصومها.
لا تبدو الرياض راغبة في العودة إلى حرب مفتوحة وطويلة في اليمن، خصوصاً بعد سنوات من محاولات تثبيت التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية والاقتصادية. ولذلك فإن التصعيد الحوثي يضعها أمام معادلة دقيقة: حماية أمنها ومنشآتها الحيوية من دون السماح للحوثيين بفرض إيقاع الحرب عليها.
والأهم أن استمرار استهداف الطاقة قد يدفع السعودية إلى التعامل مع الحوثيين باعتبارهم جزءاً من تهديد إقليمي أوسع، لا مجرد طرف في الحرب اليمنية.
من هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحوثيون يريدون حرباً مع السعودية فقط، وإنما ما إذا كانوا يريدون تحويل السعودية إلى جبهة إضافية في الحرب الدائرة حول إيران.