بالنسبة للعديد من الشابات اليمنيات، فإن فرص مغادرة البلاد محدودة للغاية. فعلى عكس الرجال الذين غادروا بأعداد كبيرة خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية بحثاً عن العمل والاستقرار في الخارج، وغالباً نحو دول الخليج، فإن حرية تنقل النساء مقيدة بأعراف اجتماعية صارمة، إضافة إلى اشتراط وجود ولي أمر ذكر (محرم) للسفر.
وبالنسبة لبعضهن، أصبح الزواج من رجل أجنبي ثري بمثابة طريق بديل للخروج من البلاد نحو مستقبل أكثر أماناً. إلا أن الواقع، كما تكتشف الكثيرات، لا يتطابق دائماً مع هذا الحلم.
منى*، البالغة من العمر 29 عاماً، كانت متزوجة سابقاً من رجل يمني يعمل صاحب متجر في محافظة تعز، واستمر زواجهما خمس سنوات تصفها بأنها "رحلة معاناة".
وقالت لموقع ميدل إيست آي: "خلال تلك السنوات الخمس بأكملها، قضيت كل يوم وأنا قلقة بشأن كيفية الحصول على الطعام والماء والخدمات الأساسية. لقد كانت خمس سنوات من المعاناة الشديدة مع زوجي السابق".
بعد ولادة طفلهما، تفاقمت الأوضاع، حتى أصبح تأمين احتياجات أساسية مثل الحليب أمراً شبه مستحيل.
تقول: "كان تحمل نقص الخدمات الأساسية أمراً صعباً بما فيه الكفاية، لذلك لم أستطع البقاء مع زوج لم يكن قادراً حتى على توفير الحليب لطفله".
بعد طلاقها قبل ثلاث سنوات، قررت منى ألا تتزوج رجلاً فقيراً مرة أخرى، وفضلت العمل وإعالة نفسها حتى تجد زوجاً ثرياً، حتى لو بقيت عزباء لفترة.
وقالت: "من الأفضل أن أعمل وأعيل نفسي بدلاً من أن أعيش مع زوج فقير. لقد أصبح الزواج من رجل ثري هدفي الأسمى".
أمضت عاماً تعمل كعاملة يومية مع مؤسسة إنسانية يمنية، لكنها لم تحقق ما كانت تبحث عنه، إلى أن جاءتها صديقة بخبر غير متوقع.
تقول: "لقد شعرت بسعادة غامرة عندما سمعت أنها وجدت لي خاطباً ثرياً، لكنني صُدمت عندما علمت أنه ليس يمنياً، بل إماراتياً".
وتضيف: "ترددت لبضعة أيام، خاصة عندما علمت أن لديه عائلة بالفعل في الإمارات، وأن هذا سيكون زواجاً سرياً في مصر، لكن في النهاية وافقت".
لاحقاً، اكتشفت منى أن صديقتها كانت تعمل كوسيط زواج متخصص، وأنها كانت جزءاً من شبكة ترتب زيجات مشابهة لشابات أخريات.
كسر التقاليد من أجل مستقبل أفضل
نشأت منى في بيئة محافظة، حيث كان يُنظر إلى الزواج خارج القبيلة أو المحافظة باعتباره أمراً مرفوضاً، فكيف إذا كان من أجنبي.
تقول: "لم يكن إخوتي سعداء بذلك، لكنني أقنعتهم. كنت أحلم بحياة أفضل لي ولعائلتي".
وتضيف: "نستحق حياة أفضل. إنه حلم يجمعنا جميعاً، رجالاً ونساءً. عندما تتاح لنا فرصة تحقيق هذا الحلم، يجب ألا ندعها تفلت منا".
وتتابع: "لم أتمكن من العثور على زوج ثري في اليمن، لذا كانت هذه الطريقة لتحقيق حلمين في آن واحد: زوج ثري وحياة خارج البلاد".
بعد التواصل مع زوجها المستقبلي عبر الإنترنت، تم الاتفاق على تفاصيل الزواج. تلقت مهراً قدره 10,000 دولار، وهو أعلى بثلاثة أضعاف المعتاد في مجتمعها، ما اعتبرته مؤشراً إيجابياً.
سافرت إلى مصر برفقة والدها حيث تم عقد الزواج رسمياً، وهي تقيم اليوم هناك بينما يسافر زوجها بين عدة دول.
تقول: "لا أعود إلى اليمن إلا لزيارة عائلتي أحياناً. أشعر حقاً أنني حققت حلمي بهذا الزواج".
وتضيف أن زوجها يوفر لها دعماً مالياً جيداً، يمكّنها من تحسين حياتها وإرسال مساعدات لعائلتها في اليمن.
"ألعن تلك اللحظة"
نهى*، البالغة من العمر 22 عاماً، كانت طالبة جامعية عندما بدأت تسمع عن تجارب زواج يمنيات من أجانب. ومع تزايد القصص التي تبدو ناجحة، بدأت الفكرة تترسخ لديها.
بعد انفصال والديها، وعيشها مع والدتها التي تعاني لتأمين احتياجات الأسرة، رأت في الزواج من أجنبي ثري مخرجاً محتملاً.
تقول: "تواصلنا مع وسيط زواج اقترح رجلاً أمريكياً، وأعجبت والدتي بالفكرة".
تمت الموافقة على الخاطب رغم فارق العمر الكبير الذي تجاوز 20 عاماً، وتم الزواج لاحقاً في مصر بعد سفرها مع والدها.
لكن التجربة سرعان ما تحولت إلى صدمة. تقول: "في الأسبوع الأول شعرت أنه يعاملني كسلعة وليس كزوجة".
وتضيف: "كان كذاباً وغير أخلاقي، ولم أعد أستطيع التمييز بين الحقيقة والأكاذيب، ثم اكتشفت أنه يتزوج عدة شابات كل عام".
وجدت نفسها معزولة في بلد غريب، قبل أن يتمكن والدها لاحقاً من إعادتها إلى اليمن. تقول: "لعنت اللحظة التي فكرت فيها بالزواج من أجنبي".
وتضيف: "بعض هؤلاء الأزواج يتعاملون مع الفتيات كسلع ويتزوجونهن لفترة قصيرة ثم يطلقونهن، رغم أن هناك ربما حالات ناجحة قليلة".
الفرار من اليمن
مريم*، البالغة من العمر 20 عاماً، ترى أن اليمن لم يعد بيئة مناسبة لبناء حياة مستقرة. تقول إن النساء، مثل الرجال، يسعين إلى فرص أفضل خارج البلاد، في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
وتضيف: "نحن نعيش مرة واحدة فقط، ويجب أن نستمتع بها". وتتابع أنها تحلم بالسفر إلى الخارج، وتحديداً إلى مصر، وتعتبرها خياراً أقرب نسبياً لليمنيين.
وتقول: "أعلم أنني أحتاج إلى محرم للسفر، لذلك آمل أن أجد زوجاً يساعدني على مغادرة اليمن".
وترى أن الزواج من يمني ثري أو أجنبي يظل خياراً مطروحاً لديها، بشرط تحقيق هدفها بالخروج من البلاد.
زواج مؤقت
يقول عالم الاجتماع نايف نور الدين إن عدداً من هذه الحالات تعود إلى خلفيات أسرية مفككة، حيث تنشأ بعض الفتيات مع أمهات وحيدات نتيجة الطلاق، ما يخلق هشاشة اقتصادية ونفسية.
ويضيف أن السعي نحو الزواج من أجانب غالباً ما يكون محاولة لتعويض هذا الفراغ، لكنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية وانهيارات أسرية جديدة.
ويرى أن الأزمة الاقتصادية عامل أساسي، لكن ليس كل الفقراء يقبلون بهذا النوع من الزواج، إذ يرتبط أيضاً بطموحات الهجرة أو المكانة الاجتماعية.
ويشير إلى أن هذه الزيجات غالباً ما تكون قصيرة الأمد، مع ندرة إنجاب الأطفال أو تأسيس أسر مستقرة.
ويخلص إلى ضرورة رفع الوعي بمخاطر هذه التجارب، في ظل عودة بعض النساء إلى اليمن بحالات نفسية صعبة بعد فشل هذه الزيجات.
وتقول منى في ختام شهادتها: "الزواج من أجنبي ليس الخيار الأفضل دائماً، إنه حل أخير لمن لا تجد بديلاً، ونصيحتي أن تبحث الفتاة أولاً عن زوج يمني قادر على إعالتها".