بينما انشغل الرأي العام اليمني منذ يوم الجمعة الماضية وحتى اليوم الأحد بمتابعة حادثة سقوط الشاب القعقاع عنتر العبسي، المعروف بلقب "سبايدر مان اليمن"، داخل فوهة حرضة دمت البركانية بمحافظة الضالع، بدأت تتكشف روايات جديدة تسلط الضوء على اللحظات الأخيرة والإصابات الخطيرة التي تعرض لها قبل وفاته.
وأُعلن يوم أمس السبت رسمياً عن وفاة القعقاع، البالغ من العمر 30 عاماً، بعد عملية بحث وانتشال استمرت يومين داخل الفوهة البركانية الشهيرة، في حادثة هزت اليمنيين الذين اعتادوا مشاهدة مغامراته الخطرة وتسلقه المنحدرات الصخرية الشاهقة دون استخدام أي وسائل حماية.
وخلافاً لما تم تداوله على نطاق واسع بشأن طبيعة المياه الموجودة داخل الفوهة، كشف الناشط المجتمعي من أبناء مدينة دمت جبريل اليزيدي معلومات جديدة قال إنه حصل عليها مباشرة من أحد الغواصين المشاركين في عملية انتشال الجثمان.
وأوضح اليزيدي أن الغواص أكد له أن المياه الموجودة داخل الحرضة ليست شديدة السخونة كما يعتقد كثيرون، بل هي مياه طبيعية لكنها ثقيلة للغاية، فيما تكاد الرؤية تنعدم داخلها مع وجود نقص كبير في الأكسجين، وهو ما يجعل عمليات النزول إليها شديدة الخطورة.
لكن التفاصيل الأكثر إيلاماً كانت مرتبطة بالإصابات التي تعرض لها القعقاع لحظة السقوط، إذ أفاد الغواص، بحسب اليزيدي، بأن الضحية لم يفارق الحياة بسبب المياه نفسها، وإنما نتيجة الارتطام العنيف بجدران وتكوينات الفوهة أثناء الهبوط.
وأشار إلى أن القعقاع تعرض لكسور بالغة امتدت من منطقة الظهر وحتى أسفل القدمين، بعد اصطدامه بما وصفه بـ"الصفيح" الموجود داخل الحرضة قبل وصوله إلى المياه، مضيفاً أن ساقيه تعرضتا لتهشم شديد ولم يتبق منهما سوى الجلد واللحم، كما تسبب الارتطام في نزيف داخلي حاد أدى إلى خروج الدم من أذنيه.
وأكد اليزيدي أن القعقاع كان يمتلك قدرات استثنائية في السباحة، لافتاً إلى أن الغواصين الذين شاهدوا الجثمان يعتقدون أن مهاراته المائية كانت كفيلة بإنقاذه لو لم يتعرض لتلك الإصابات والكسور القاتلة قبل وصوله إلى المياه.
وكان القعقاع معروفاً لدى أبناء دمت وخارجها بجرأته اللافتة في تسلق المنحدرات الصخرية والنزول إلى أعماق الفوهة البركانية، حيث اعتاد تنفيذ مغامرات خطرة جذبت اهتمام الآلاف، كما استخدم مهاراته في إنقاذ الأغنام التي كانت تسقط داخل الحرضة، وهو النشاط الذي شكّل مصدراً رئيسياً لدخله.
وفي تعليق حمل رسائل تحذيرية، عبّر اليزيدي عن صدمته من استمرار بعض الشباب في تقليد هذه المغامرات رغم الحادثة المأساوية، مؤكداً أنه شاهد عدداً منهم يتسلقون الحرضة بالتزامن مع عمليات انتشال الجثمان، وكأن شيئاً لم يحدث.
وشدد على أن ما يجري لا يمكن اعتباره شجاعة، بل مجازفة مميتة بحياة الإنسان، محذراً من خطورة تسلق الفوهة البركانية دون معدات حماية أو إجراءات سلامة، ومؤكداً أن الخوف في مثل هذه المواقع ليس ضعفاً بل وسيلة ضرورية للحذر واتخاذ القرار الصحيح.
ويُعد سقوط القعقاع العبسي واحداً من أكثر الحوادث التي استقطبت اهتمام اليمنيين خلال الأيام الماضية، بعدما فقدت محافظة الضالع شاباً ارتبط اسمه بالمغامرة والتحدي، قبل أن تنتهي رحلته داخل واحدة من أخطر الفوهات البركانية في البلاد.
وأعاد الحادث إلى الواجهة النقاش حول مخاطر المحتوى القائم على المغامرات الخطرة سعياً وراء الشهرة أو تحقيق المشاهدات، خاصة في ظل غياب وسائل السلامة الكافية في كثير من هذه الأنشطة.
كما سلط الضوء على الظروف المعيشية الصعبة التي كان يتحدث عنها القعقاع في بعض مقاطعه، والتي قال إنها كانت تدفعه إلى مواصلة هذه المغامرات رغم المخاطر الكبيرة التي تحيط بها.
وفي سياق التفاعل مع الخبر، تداول ناشطون صوراً قالوا إنها لمنزل القعقاع بن عنتر وأفراد أسرته، مشيرين إلى بساطة الظروف المعيشية التي كان يعيشها.
وكتب أحد المستخدمين أن القعقاع "كان يسعى ويجاهد لتحسين مستوى معيشته مع أسرته"، معتبراً أن مغامراته المتكررة كانت مرتبطة برغبته في تأمين حياة أفضل لعائلته. وحظي التعليق بتفاعل واسع من المتابعين الذين عبروا عن تعاطفهم مع أسرته، داعين له بالرحمة والمغفرة.
واعتبر حساب باسم "الناصر" أن الجهات المختصة كان بإمكانها توظيف هذه المهارات في مجالات الإنقاذ والطوارئ، قائلاً: "نحن نقبر المواهب ثم نشتكي من فقر الكفاءات".
وتبقى وفاة القعقاع بن عنتر مثالاً على جدل متجدد حول حدود المغامرة في سبيل الشهرة أو كسب الرزق، وضرورة توفير بيئات أكثر أماناً للمغامرين والهواة الذين يخوضون تجارب خطرة دون دعم أو تجهيزات كافية.
وبين من يراه ضحية ظروف معيشية قاسية، ومن يحمّل السلوك الفردي جزءاً من المسؤولية، يظل الحادث مفتوحاً على نقاش أوسع حول ثقافة المخاطرة في المحتوى الرقمي وحدودها.
ومن المتوقع أن تستمر ردود الفعل خلال الأيام المقبلة على منصات التواصل الاجتماعي، مع تزايد الدعوات إلى مراجعة آليات التعامل مع مثل هذه الظواهر، سواء من ناحية التوعية أو التنظيم أو الدعم المؤسسي.