بين جدران السجون الحوثية وبيوت تنتظر عودة أبنائها منذ سنوات، تتواصل معاناة عشرات العائلات اليمنية التي وجدت نفسها أمام واقع قاسٍ فرضته حملات الاختطاف التي استهدفت موظفين أمميين وعاملين في المجالين الإنساني والحقوقي، فيما تتصاعد الضغوط الدولية والحقوقية للمطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين.
ومع دخول حملة الاعتقالات الواسعة التي نفذتها مليشيا الحوثي ضد موظفين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية والبعثات الدبلوماسية عامها الثالث، جدد مجلس الأمن الدولي إدانته الشديدة لهذه الممارسات، مطالباً بالإفراج الآمن والفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين، وفي مقدمتهم عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المجال الإنساني.
وأكد أعضاء المجلس أن استهداف العاملين في الإغاثة والعمل الإنساني يمثل انتهاكاً خطيراً وغير مقبول، ويؤدي إلى تعقيد الاستجابة الإنسانية في اليمن الذي يواجه إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، محذرين من أن استمرار التهديدات والانتهاكات بحق موظفي المنظمات الدولية يقوض قدرة المؤسسات الإنسانية على الوصول إلى ملايين المحتاجين وتقديم الخدمات الأساسية لهم.
وفي موازاة الموقف الدولي، أطلقت ثلاث منظمات حقوقية دولية بارزة هي مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، نداءً عاجلاً طالبت فيه مليشيا الحوثي بالإفراج الفوري ودون قيد أو شرط عن عشرات الموظفين اليمنيين العاملين لدى الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، محذرة من أن استمرار احتجازهم يهدد العمليات الإنسانية ويعرقل وصول المساعدات المنقذة للحياة.
وقالت المنظمات إن الجماعة تحتجز بصورة تعسفية عشرات العاملين في المجالين الإنساني والحقوقي منذ نحو عامين، في وقت تتفاقم فيه أزمات الجوع وانعدام الأمن الغذائي في مناطق واسعة من البلاد، مؤكدة أن هذه الانتهاكات تأتي في مرحلة حرجة تشهد تراجعاً في التمويل الإنساني وتزايداً في احتياجات ملايين اليمنيين.
وبحسب البيان الحقوقي المشترك، بدأت حملة الاختطافات الكبرى في 31 مايو 2024 عندما نفذت المليشيا مداهمات واسعة أسفرت عن اختطاف 13 موظفاً تابعاً للأمم المتحدة وما لا يقل عن 50 موظفاً من منظمات المجتمع المدني اليمنية والدولية، قبل أن تتوسع لاحقاً لتشمل عشرات العاملين الآخرين.
وأوضحت المنظمات أن سبعة مختطفين فقط أُفرج عنهم حتى الآن، فيما ظل حتى فبراير 2026 نحو 73 موظفاً أممياً وعشرات العاملين الإنسانيين الآخرين رهن الاحتجاز، وجميعهم من اليمنيين.
وتتزايد المخاوف بشأن أوضاع المحتجزين الصحية والإنسانية، خصوصاً بعد وفاة موظف في برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه لدى الحوثيين في فبراير 2025، وهي الحادثة التي أثارت مخاوف واسعة على سلامة بقية المختطفين في ظل اتهامات للجماعة بممارسة التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز.
كما أشارت المنظمات إلى أن عدداً من المحتجزين اختُطفوا دون أوامر قضائية، بينما تعرض بعضهم للإخفاء القسري لأشهر طويلة، وحُرم كثيرون من التواصل مع محاميهم وأسرهم أو الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، رغم إحالة قضايا ثلاثة موظفين أمميين إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في ديسمبر 2025.
وفي خضم هذه الأزمة، تواصل عائلات المحتجزين سرد قصص المعاناة اليومية التي خلفها غياب ذويهم. فأسرة عبد الحكيم العفيري، المدير التنفيذي لمنظمة "شركاء اليمن"، تؤكد أن اعتقاله لم يحرمها فقط من معيلها، بل أفقدها مصدر الأمان والدعم الاجتماعي الذي مثله طوال سنوات.
ويقول نجله عبدالرقيب إن الأسرة ما تزال تعيش على أمل عودته رغم مرور السنوات، موضحاً أن اللقاءات المحدودة التي سُمح بها أظهرت تمسك والده بالصمود، لكنها لم تخفف من حجم المعاناة التي تعيشها الأسرة جراء استمرار احتجازه.
أما أسرة عاصم العشاري فتواجه مأساة مضاعفة، إذ يؤكد شقيقه عماد الدين أن سنوات الاحتجاز غيرت حياة العائلة بالكامل، فيما لا تزال والدته تنتظر عودته، بينما يكبر أطفاله بعيداً عنه. كما تحدثت الأسرة عن تدهور حالته الصحية داخل السجن، مشيرة إلى أنه فقد البصر في إحدى عينيه بعد تعرضه لمضاعفات صحية خطيرة لم يكن يعاني منها قبل اعتقاله.
ولم تتوقف تداعيات القضية عند هذا الحد، إذ أصيب والد عاصم بجلطة دماغية خلال فترة احتجاز نجله، وهي مضاعفات تربطها الأسرة بالضغوط النفسية الهائلة التي رافقت القضية.
وفي شهادة أخرى، روت هدى الرعدي، زوجة سامي الكلابي الموظف في مكتب المبعوث الأممي، تفاصيل عامين من القلق والترقب والخوف، مؤكدة أن الأسرة عاشت أعياداً ومناسبات متتالية في غيابه، بينما تدهورت حالته الصحية داخل السجن إلى درجة استدعت نقله إلى المستشفى أكثر من مرة بعد تعرضه لمشكلات صحية خطيرة.
من جانبها، أكدت مؤسسة "سلام لمجتمعات مستدامة" أن حملة الاعتقالات ألقت بظلال ثقيلة على العمل الإنساني في اليمن، مشيرة إلى أن المحتجزين ما زالوا يواجهون قيوداً واسعة على حقوقهم الأساسية، كما أعربت عن قلقها من استمرار احتجاز نساء عاملات في المجالين الإنساني والمدني، معتبرة ذلك انتهاكاً مضاعفاً للقوانين والأعراف الاجتماعية اليمنية.
ودعت المؤسسة إلى الكشف عن مصير جميع المخفيين قسراً، وتمكين المحتجزين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم، ووقف المحاكمات والإجراءات التي تفتقر إلى معايير العدالة، وإنهاء حملات التشهير التي تستهدف المعتقلين وعائلاتهم.
كما لفتت المنظمات الحقوقية إلى أن أربعة موظفين يمنيين من مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ومنظمة اليونسكو ما زالوا محتجزين منذ عامي 2021 و2023، إضافة إلى مدير السلامة والأمن في منظمة "إنقاذ الطفل" الذي اختُطف في سبتمبر 2023 قبل أن يتوفى أثناء الاحتجاز في أكتوبر من العام نفسه.
وجدد مجلس الأمن دعمه لجهود الأمم المتحدة الرامية إلى تأمين الإفراج عن المحتجزين عبر مختلف القنوات المتاحة، كما أكد مساندته للمساعي الأممية الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية شاملة تنهي سنوات الحرب وتفتح الطريق أمام معالجة الملفات الإنسانية العالقة.
وحذر المجلس من أن استمرار الصراع والانتهاكات ضد العاملين في المجال الإنساني يهدد بتفاقم الوضع الإنساني في بلد لا يزال أكثر من 22 مليون شخص فيه بحاجة إلى المساعدات الإنسانية والحماية، داعياً جميع أطراف النزاع إلى ضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ومن دون عوائق، وحماية العاملين في المجال الإنساني وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني.
وفي ختام بيانها، دعت المنظمات الحقوقية الحكومات المؤثرة على الحوثيين وقيادات الأمم المتحدة إلى تكثيف الضغوط لإنهاء ملف الاحتجازات التعسفية، فيما أكدت مديرة البحوث في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، آمنة القلالي، أن المجتمع الدولي مطالب بتبني موقف موحد وقوي يضمن إطلاق سراح جميع المحتجزين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى مختلف أنحاء اليمن دون قيود أو عوائق.