على مدى عشرة أعوام من السيطرة القسرية، عملت مليشيا الحوثي على ترسيخ الخرافة والدجل داخل المجتمع اليمني، في مشهد يعكس تراجع الوعي الصحي وتفشّي الجهل في مناطق نفوذها.
وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، مساء اليوم السبت، مشاهد مؤلمة لمرضى يعانون من نوبات الصرع، يتم اقتيادهم من مناطق متفرقة إلى قرية الحقلين بمديرية السدة في محافظة إب، حيث يُدفنون في التراب بحثًا عن “علاج” زائف يُسوَّق لهم على أنه طريق الشفاء.
وقالت مصادر محلية، إن الجهل الذي غذّته المليشيا بين أوساط السكان دفع بعض الأهالي إلى دفن أبنائهم وهم أحياء، اعتقادًا بامتلاك تراب المنطقة “قدسية” أو قدرة خارقة على امتصاص ما يُسمّى “الكهرباء الزائدة” من أجساد المصابين، وهي مزاعم لا تستند إلى أي أساس علمي أو طبي.
وتعليقًا على هذه الظاهرة، عبّر مراقبون عن صدمتهم مما وصفوه بالانحدار الخطير، مؤكدين أن وصول العائلات إلى حد إيذاء أبنائها بأيديها يعكس حجم اليأس وغياب أبسط مقومات الوعي الصحي، في بلد كان يومًا منارة للعلم والأدب والفكر.
وفي هذا السياق، كتب الطبيب د. عصام القرودع تعليقًا مؤلمًا تداولته منصات التواصل، قال فيه:
“بكل أسف، تُتداول مشاهد تقطع القلب قبل أن تدمع العين… عشرات من مرضى الصرع، رجالًا ونساءً وأطفالًا، يُساقون إلى قرية الحقلين بمديرية السدة – إب، من مناطق متفرقة، بحثًا عن أملٍ زائف يُسوَّق لهم تحت اسم العلاج بالدفن في التراب”.
وأضاف: “مشهد لا يشبه وطنًا أنجب المقالح والإرياني وجار الله عمر… وطنًا كان منارة للعلم، لا مسرحًا للخرافة والدجل”، متسائلًا بمرارة: “كيف انحدرنا من كتب المدارس إلى حُفر التراب؟ وكيف أصبح بعض الناس يثقون في حفرةٍ أكثر من طبيب، وفي وهمٍ أكثر من دواء؟”.
وأوضح القرودع أن الحقيقة العلمية واضحة، مؤكدًا أن الصرع ليس “كهرباء زائدة” تُفرَّغ في الأرض، ولا مسًّا ولا لعنة، بل اضطراب عصبي معقّد في الدماغ له أسباب وتشخيص وعلاج معروف، ولا يوجد أي دليل علمي أو طبي يثبت أن دفن المريض يشفيه.
وحذّر من أن هذه الممارسات قد تعرّض المرضى للاختناق أو الإصابات الجسدية أو نوبات أشد خطورة قد تودي بحياتهم، مشددًا على أن العلاج الحقيقي يكون عبر التشخيص الطبي الدقيق، والمتابعة مع أطباء المخ والأعصاب، والالتزام بالأدوية المعتمدة التي تمكّن معظم المرضى من العيش حياة طبيعية.
وأكد أطباء ومختصون أن ما يحدث ليس علاجًا، بل استغلالٌ لآلام البسطاء ومتاجرةٌ بخوفهم، محذرين من خلطٍ خطير بين المرض والخرافة، ومشددين على أن الصرع يُعالج في العيادات والمستشفيات، لا في الحفر ولا تحت التراب.
واختتم مختصون بدعوة عاجلة إلى نشر الوعي الصحي ووقف هذه الممارسات الخطيرة، مؤكدين أن كرامة الإنسان ليست تجربة، وصحته ليست ساحة للشعوذة، وأن العلم — مهما كان بسيطًا — أرحم ألف مرة من جهلٍ يتخفّى بثوب “البركة”.