على مدى عقود تعامل نظام ولاية الفقيه مع الشعب الإيراني كعدو داخلي لا كمواطنين أصحاب حقوق. الإعدام الجماعي، التعذيب المنهجي، السجون المليئة بالمعتقلين السياسيين، وقمع كلّ احتجاج سلمي ليست حوادث منفصلة بل سياسة ثابتة.
الأرقام وحدها تكشف حجم الجريمة فإيران تتصدّر منذ سنوات قائمة الدول المنفّذة لعقوبة الإعدام، مع قفزات مرعبة في ٢٠٢٣ و٢٠٢٤ و٢٠٢٥ حيث سجّلت مئات بل آلاف الأحكام المنفّذة، في وقت يتّجه فيه العالم إلى تقليص هذه العقوبة أو إلغائها بالكامل.
هذا الاستخدام المنفلت لحبل المشنقة، خصوصا بعد انتفاضة المرأة الحياة الحرية، يشكّل قرينة أساسية على طابع الجريمة ضدّ الإنسانية في سياسة النظام.
جوهر الملف لا يقتصر على عدد الإعدامات بل على منهجية القمع. الاعتقال التعسفي، الإخفاء القسري، المحاكمات الصورية المبنية على اعترافات منتزعة تحت التعذيب، الحرمان المتعمّد من العلاج داخل السجون، والاعتداءات الجنسية على المعتقلين والمعتقلات، كلها موثّقة في تقارير دولية مستقلة وتشكّل أركان جرائم ضدّ الإنسانية كما يعرّفها القانون الدولي الإنساني.
هذه الجرائم ليست ردود فعل ظرفية بل قرار على مستوى قيادة النظام، من خامنئي إلى أجهزة الحرس والبسيج والأمن والقضاء، لترويع المجتمع ومنع أيّ مسار نحو التغيير.
مجزرة السجناء السياسيين في ١٩٨٨ تمثّل النموذج الأوضح لهذه السياسة. آلاف من مجاهدي خلق والمعارضين الآخرين أُعدموا خلال أسابيع بعد استجوابات صورية أمام "لجان الموت"، ودُفنوا في مقابر جماعية مجهولة.
حتى اليوم تواصل السلطات إخفاء مواقع المقابر وتهديد عائلات الضحايا والناجين، ما يعني أن الجريمة مستمرة بأبعادها القانونية كجريمة ضدّ الإنسانية غير قابلة للتقادم. هذا السجلّ الممتد من ١٩٨٨ حتى قمع انتفاضات ٢٠١٩ و٢٠٢٢، وما رافقه من قتل متظاهرين وإعدام شبّان بتهم "المحاربة"، يقدّم لوحة متكاملة لمسؤولية هرم السلطة لا مجرّد عناصر تنفيذية في الميدان.
القانون الدولي يضع إطارا واضحا لمساءلة هذا النوع من الأنظمة. ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية واتفاقيات جنيف واتفاقية مناهضة التعذيب تجرّم الأفعال التي يمارسها النظام الإيراني بشكل منظم وواسع النطاق ضدّ فئة محدّدة من السكان لأسباب سياسية أو أيديولوجية.
هذا ينطبق على القتل المتعمّد، السجن أو الحرمان الشديد من الحرية، التعذيب، الاغتصاب والعنف الجنسي، والاضطهاد على أساس الانتماء السياسي، وهي كلها مكوّنات حاضرة في ملف نظام ولاية الفقيه.
من هنا فإنّ المطالبة بمحاكمة خامنئي ورؤوس النظام ليست شعارا سياسيا بل استحقاقا قانونيا كاملا الأركان.
من زاوية المقاومة الإيرانية، إبقاء هذا الملف في حدود "البيانات القلقة" و"الدعوات لضبط النفس" مشاركة غير مباشرة في إفلات الجناة من العقاب. المطلوب خطوات عملية واضحة تبدأ بإحالة ملف جرائم النظام إلى مجلس الأمن، وتجديد وتعزيز مهام المقرّرين الخاصين ولجنة تقصّي الحقائق، وفرض آلية دولية للمساءلة تُسمّي المسؤولين بأسمائهم وتفتح الطريق أمام محاكمات على مستوى الجرائم ضدّ الإنسانية.
كما ينبغي أن ترتبط أي علاقة سياسية أو اقتصادية مع هذا النظام بشرط وقف الإعدامات وإطلاق سراح السجناء السياسيين والاعتراف بحق الشعب الإيراني في تغيير نظامه.
في هذا السياق يطرح المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية خطّه الثالث الواضح لا حرب ولا مماشات بل إسقاط نظام ولاية الفقيه على يد الشعب الإيراني والمقاومة المنظّمة ومحاكمة قادة هذا النظام كجنات ضدّ الإنسانية.
محاكمة خامنئي ورؤوس أجهزته ليست فقط انصافا لضحايا السجون والمشانق بل شرطا ضروريا لقيام إيران حرّة ديمقراطية لا يُستخدم فيها القضاء وسيلة للقتل بل أداة لحماية الإنسان وكرامته.