آخر تحديث :الأربعاء-28 أكتوبر 2026-01:43ص

عن وقائع الجبهات.. ورغباتنا في ما نريد أن نسمعه

الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - الساعة 01:05 ص

عبدالحليم صبر
بقلم: عبدالحليم صبر
- ارشيف الكاتب


أجبرت الأقدار الكُتّاب على دخول منزل الكلمات. كانت الكلمات محفوظة في صندوق زجاجي قديم وشفاف، منذ أن خُلقت الصحافة وبدأت المراسلات، تنتظر الكاتب، جامحة الرغبة في أن يختارها.


ترجت الكُتاب أن يلمسوها، ففتحوا الصندوق، جربوا الكلمات على رؤوس الأصباع، قبلوا شفاه بعضها، وجعّدوا أنوفهم أمام بعضها الآخر. بحثوا عن كلمات يجهلونها وعن كلمات كانوا يعرفونها، لكنهم أضاعوها.


ولعل ما يواجه الكاتب هو أن يعرف أيها يختار، وأيها يترك في صندوقه، وأيها لا يجوز له أن يحملها أكثر مما تحتمل.


فالكلمات مثل الوقائع، قد تُنصف الحقيقة وقد تحجبها وقد ترفع المعنويات، لكنها قد تصنع وهما إذا انفصلت عن الواقع.


ومن هنا، أحاول كلما نشرت معلومات عن الجبهات، أن أضعكم أمام ما يتوافر لدي منها بمصداقية، وأن أصوغها في قالب خبري واضح، دون أن أخلط بين ما أعرفه وما أستنتجه، أو أن أدفع بالمعلومات إلى مساحة لا تحتملها الوقائع.


وفي الوقت نفسه، أحرص على ألا يمس النشر جبهاتنا أو يكشف ما قد يضر بمقاتلينا وشيابنا في الجبهات، فليس كل ما اعرفه يصلح للنشر.


هناك معلومات يمكن نشرها في صيغة خبر صحفي، لأنها تتعلق بحدث أو تطور ميداني يمكن التحقق منه.


وهناك معلومات أخرى لا تكتمل دلالتها بمجرد نقلها، بل تحتاج إلى قراءة تحليلية تربط بين الأحداث، وتفهم سياقها، وتبحث في أسبابها وما يمكن أن يترتب عليها.


ليصبح على القارئ أن يفرق بين الخبر والتحليل و ألا يخلط بين الوقائع بالتقديرات، ولا تتحول فيها الاحتمالات إلى حقائق لمجرد أننا نرغب في تصديقها.


وهنا تبدأ المشكلة التي أريد أن نتجاوزها جميعا.. ليس كل ما نرغب في سماعه هو بالضرورة ما يحدث على الأرض، وليس كل ما يرفع معنوياتنا يقدم لنا صورة دقيقة عن الواقع.


قد نرغب في سماع أخبار التقدم والانتصار وجمهور هذه الرغبة هو الأكبر، وقد نضيق بالأخبار التي تتحدث عن صعوبة الموقف أو تعقيداته، لكن الجبهات لا تتحرك وفقا لرغباتنا، والوقائع لا تتغير لأننا نريد لها أن تكون على نحو مختلف.


إن رفع المعنويات للناس وللمقاتلين ضرورة، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب وعي الناس . فالمعنويات التي تقوم على معلومات غير دقيقة قد تمنحنا شعورا مؤقتا بالاطمئنان، لكنها تضعف ثقتنا بالمصادر حين تتكشف الوقائع ، كما تضعف مصداقيتي عند المتلقي غداً، وتجعل الجميع أكثر عرضة للتشوش أمام كل خبر جديد.


أما المعنويات التي تستند إلى فهم حقيقي للميدان، ومعرفة ما تحقق وما تعثر، والتمييز بين ثبات ابطالنا والتقدم، وبين إحباط هجوم واستعادة موقع، فهي أكثر قدرة على الاستمرار والثبات.


فحين نكتب لا نملك الكلمات التي نصدرها للناس والمتابع، إنما نتحمل مسؤولية اختيارها، كما يتحمل المقاتل مسؤولية الميدان الذي يسيطر عليه. و التي وفي الجبهات، ليست المصداقية في أن نقول كل ما نعرف، وما يرغب الناس في سماعه، إنما في أن نقول ما تسنده الوقائع على الميدان، ونترك للتقدير حدوده.

عبدالحليم صبر