السعودية يجب أن تدرك أن الحوثي لا يهددها بما قد يفعله غدًا بل بما يفعله اليوم. فكل هجوم يقترب من الرياض ليس مجرد اختراق عسكري بل اختبار خطير ودقيق لقدرات السعودية على ردع خصم يراكم أدواته على حدودها لفرض معادلاته بالقوة، والأخطر أن استمرار التصعيد يمنح الحوثي فرصة ذهبية لتوسيع أثره من الميدان في اليمن إلى الداخل السعودي عبر توظيف الخطاب الطائفي ومحاولة استثمار أي توترات أو حساسيات مذهبية لصالح مشروعه وبما يحول هذا التهديد من خطر عسكري على الحدود مع اليمن، إلى تحدي أمني واجتماعي أوسع خطرًا، ومع أنني لا أفترض أو أجزم بأن المواطنين الشيعة في السعودية حلفاء لمشروع الحوثي، لكن من الخطأ أيضًا أن نتجاهل سعي الحوثيين إلى استغلال الانقسامات التي يخدمها خطابه.
وبما أن الرياض قد أغلقت باب التفاوض صراحة، فالمطلوب اليوم أن يتحول هذا الموقف إلى استراتيجية حسم فاعلة ومستعجلة، لا أن تبقى الحرب معلقة بين ضربات جوية لا تنهي التهديد وجبهات يمنية تستنزفها صراعات النفوذ وحسابات أمراء الحرب، وما جرى في الساحل ويجري اليوم في تعز، يكشف جوهر المعضلة، الحوثي يصنع ويحسم الوقائع على أرض الميدان، فيما تعطل الانقسامات والحسابات والقيود على القرار العسكري قدرة القوى الجمهورية على مواجهته، والثابت هنا أننا لا يمكن أبدًا استعادة بلادنا بقيادة متنازعة وغير وطنية ولا حتى حماية الرياض بترك أسباب التهديد قائمة في صنعاء.
ويقتضي ذلك قرار سعودي يعيد توحيد القرار العسكري والسياسي للقوى الجمهورية ويوجه الدعم الحاسم نحو معركة وطنية شاملة لاستعادة الدولة اليمنية، واستكمال تحرير أراضيها بعيدًا عن القيود والحسابات التي عطلت الحسم طيلة السنوات التي مضت، وأبقت الحوثي قوة قاهرة قادرة على توسيع نفوذها، والهدف ليس استمرار الضربات الجوية بل إنهاء القدرات الحوثية على استخدام الصواريخ والمسيرات والتهديد البحري، لأن القصف وحده لا يحسم المعركة ما دام الحوثي يحتفظ بالأرض والسلاح ومصادر القوة، وما دامت القوى المناهضة له عاجزة عن توحيد قيادتها وتحويل إمكاناتها إلى نتيجة عسكرية وسياسية، وعمليًا رفض التفاوض لا يساوي شيئ ما لم يقترن مباشرة بمسار عملي واضح يغير موازين المعركة ويجعل استعادة الدولة اليمنية هدف رئيس ومحدد تدعمه كافة القرارات والموارد والقيادة الموحدة وليس مجرد موقف معلن ومستنزف.
هذه ليست دعوة إلى حرب بلا أفق، بل إلى حسم استراتيجي غايته أولاً وقبل كل شيء، استعادة الدولة اليمنية وتحرير اليمن من وجود إيراني إحتلالي يمثله الحوثيين، وانهاء المنظومة الإيرانية المسلحة بوصفها مصدر دائمًا ووجودي لتهديد السعودية واليمن معًا، فأمن البلدين مترابط، وبقاء صنعاء تحت سيطرة المنظومة الحوثية يعني احتفاظها بالقدرات العسكرية التي تتيح لها تهديد العمق السعودي والممرات البحرية، ويمنحها استمرار التصعيد مجال أوسع وخطير لتوظيف الخطاب الطائفي (الشيعي) ومحاولة استثمار الانقسامات داخل السعودية، ولذلك لا يكفي اليوم أبدًا احتواء الهجمات أو الرد عليها كلما وقعت، بل من الواجب تفعيل استراتيجية حسم شاملة لمعالجة مصدر التهديد، لأن الرياض اليوم أمام استحقاق مباشر لا يحتمل مزيد من التأجيل، فإما الانتقال من إدارة الخطر إلى إنهاء أسبابه وأساسه من الجذور أو السماح بتوسع ساحاته وبذلك ترتفع كلفة استعادة الأمن والاستقرار معًا، وهذه المرة من الداخل وليس من على الحدود.