آخر تحديث :السبت-29 أغسطس 2026-12:30ص

عذراً يا رؤى.. تفوقكِ ليس "خطيئة كبرى" تستوجب الإقصاء المتعمد

السبت - 29 أغسطس 2026 - الساعة 12:01 ص

محرم الحاج
بقلم: محرم الحاج
- ارشيف الكاتب


معالي وزير التربية والتعليم - الدكتور العبادي -

إنها لعمري لبلية تُبكي العيون وتفطر القلوب، تلك التي تتكشف فصولها اليوم على أراضي المهرة الأبيّة، لتضعنا عراةً أمام مرآة أخلاقنا ومبادئنا الإنسانية.


ليست "رؤى محمود شيخ محمد" مجرد عابرة سبيل في دروب التحصيل العلمي، بل هي ابنة شرعية لهذه الأرض، عافت جحيم الشتات واختارت أن تصنع مجدها صبراً وجهداً بين ظهرانينا، حتى إذا ما أشرقت شمس التفوق بمعدل يلامس تخوم الكمال (99.25%)، فوجئت بأن إنجازها العظيم قد جوبه بالصمم الإداري والإقصاء المتعمد من قبل وزارتكم، وكأن الاجتهاد حين يصدر عن غير ابن القبيلة أو الوطن يتحول في عرف وزارتكم إلى "خطيئة كبرى" تستوجب الرجم بالنسيان.


أي منطق أعوج هذا الذي تديرون به صرحاً تربوياً مفترضاً أن يكون مظلة للعدالة والميزان؟ من ذا الذي يوزع صكوك التفوق بسخاء على معايير الانتماء الضيق، ويضن بها على من استفرغت وسعها وعقلها في سهر ليل ووصال نهار تحت سقف مدارسكم؟ إن الامتحانات الوزارية التي تخرج من تحت أيديكم حين تُصحح، لا تسأل عن لون جواز السفر، ولا تستنطق هوية الأب، ولا تفتش عن أصل الجد؛ بل تقيس عرق الجبين وصفاء الذهن وقوة الإنجاز. وحين تتطابق الإجابات وتتوالى الدرجات، فإن حرمان الحاصلة على المركز الأول من حقها الطبيعي في صدارة المحافظة ليس مجرد "خطأ مطبعي" أو "سقطة إدارية عابرة" يمكن تمريرها بصمت، بل هو اغتيال معنوي مكتمل الأركان، ورسالة بالغة القبح واللؤم تُصدرها وزارتكم لكل جيلنا الصاعد: "لا تعبأوا بالعلم، ولا تحرقوا أعصابكم في التحصيل، فالأصالة وحدها تُكفئ، والجهد الأجنبي لا مكان له في دفاتر البيروقراطية العمياء!".


أيها الوزير، ويا حماة القلم والقرطاس في ديوان وزارتكم، اخجلوا من هذا التعسف الممنهج؛ فأنتم لا تعاقبون رؤى وحدها، بل تمرغون كرامة التعليم اليمني في الوحل. تذكروا جيداً، ونحن الشعب الذي طاف أبناؤه مشارق الأرض ومغاربها فاغتربوا ودرسوا وتفوقوا في ديار الغربة، كم كنا ننتشي فخراً حين كانت الدول الأخرى – بمدارسها وجامعاتها – تحتضن أبناءنا، وتكرم تفوقهم بلا منّ ولا أذى، متجاوزةً حدود الجنسية ومحتفية بالإنسان والعقل. فكيف نرتضي لأنفسنا تحت إدارتكم أن نرتكس إلى الدرك الأسفل من المناطقية المقيتة، فنمارس بحق طفلة بريئة ما طالما شكوناه واستقبحناه حين مارسه سوانا؟


إن التاريخ لا يرحم، والعدالة الإلهية أوسع من كراسِيكم ومكاتبكم المغلقة. إننا لا نطلب منكم منّة ولا تفضلاً يا معالي الوزير، بل نطالب بما هو أصيل وحق لا يسقط بالتقادم: إما أن تخرجوا أمام الرأي العام ببرهان ساطع يعلل هذا الإقصاء المخزي – إن وُجد برهان – أو أن تبادروا فوراً برد الاعتبار لهذه الطالبة المعجزة، معتذرين لها ولأسرتها عن هذا الظلم الفادح الذي كشف عورة مؤسساتكم وأساء لأمانة المسؤولية التي تحملتموها.


التفوق الحقيقي لا يسأل عن أصلك وفصلك، ومن يفقد بصيرته لدرجة يحارب فيها النجاح ويغتال الاستحقاق، فهو لجدير بأن يُسقط من حسابات الوطن لا أن يُؤتمن على مستقْبله ومستقبل أجياله.

"والله غالبٌ على أمره"