آخر تحديث :الأربعاء-19 أغسطس 2026-12:50ص

تعز بين استثمار الأزمات وقمع الحريات: لماذا تُلاحق الأقلام الحرة وتحصّن الجناة؟

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - الساعة 12:47 ص

محرم الحاج
بقلم: محرم الحاج
- ارشيف الكاتب


تعز لا تعيش أزمات عابرة، بل تُصنع فيها الأزمات ببرود، وتُدار تماماً كاستثمار تجاري بحت.

أحد عشر عاماً من الإنهاك الممنهج مرّت على هذه المدينة، ولم تشرق فيها شمس يوم جديد إلا وألقت معها بظلال ثقيلة: طابور جديد يقف على أمل الحصول على أساسيات الحياة، سوق سوداء مستحدثة تنهش ما تبقى من جيوب المواطنين، وجنازة تعبر شوارع أنهكتها الفوضى. إنه مواطن أثقل كاهله جباية مجردة من أي خدمات، وحصار أطبق بصمته، وغياب تام لأي رادع أو محاسبة.


ملامح الانهيار: مدينة تُسلخ عن الحياة

انظر إلى الوجوه في شوارع تعز؛ ستراها ذابلة كخرائط بؤس حقيقية، عيوناً غارت فيها الأحلام، وأجساماً تكاد تقوى على حمل خيباتها المتراكمة. ففي كل منزل، تدور معركة بقاء يومية وقاسية: يتقاطع فيها رغيف الخبز مع ثمن الدواء، وقطرة الماء مع قسط الإيجار، والتمسك بالكرامة مع ذل السؤال. لم يعد هناك بريق لأمل يلوح في الأفق، ولا طاقة بشرية تحتمل المزيد من هذا العبث.


سجل الجرائم اليومية: من الغاز إلى القبر

1. حرب الغاز: إذلال معيشي وتمويل للعبث

وصل سعر أسطوانة الغاز المنزلي في السوق السوداء إلى ثمانية عشر ألف ريال. وبينما تتكدس النساء والأطفال طوال ساعات النهار في طوابير مهينة ومذلة للحصول على حصة واحدة، يُقابل هذا الواقع بضخ يومي متواصل لعبارات "قرب الحلول" عبر وسائل الإعلام الرسمي. أما في الشارع، فالطوابير تزداد طولاً والأسعار تشتعل أكثر، لتعود آلاف الأسر مكرهة إلى استخدام الحطب في القرن الحادي والعشرين؛ ليعود دخان الخشب ليخترق صدور الأطفال ويطبع طابع الذل على عيون الأمهات.


2. سوق الموت: سموم ملقاة على الأرفف

تحولت أسواق المدينة تدريجياً إلى مكب واسع لنفايات الغذاء والأدوية التالفة. مواد غذائية منتهية الصلاحية تُعرض للبيع جهاراً، وأدوية مهربة ومغشوشة تملأ أرفف الصيدليات بمعزل عن أي رقابة رادعة، لتتحول من أدوات شفاء إلى وسائل قتل بطيء للمرضى. وهنا يبرز التساؤل الحارق: من يمنح هؤلاء الضوء الأخضر لإدخال هذه السموم؟ ومن يوفر الحماية لتجار الموت؟


3. مجازر المعطف الأبيض: القتل بالإهمال

فقدت غرف العمليات في بعض المستشفياتوالمراكز الصحية حصانتها الإنسانية لتتحول إلى ما يشبه ساحات قتل خارج نطاق القانون. أخطاء طبية جسيمة تُرْتَكَب بدم بارد، بدءاً بجرعات التخدير الخاطئة والتشخيصات المضللة وصولاً إلى جراحات يقوم بها غير مختصين؛ لتخرج جثث هامدة بدلاً من مرضى معافين، مصحوبة بشلل دائم وأورام متجددة بفعل بروتوكولات علاج خاطئة. والقاتل؟ لا يزال يرتدي مريوله الأبيض ويمارس مهنته دون أن يطاله حساب.


4. عدالة معطلة: الجاني حر والضحية مدفون

تُقيد قضايا القتل والأخطاء الطبية المتكررة ضد مجهولين، وتصول العصابات المسلحة وتجول في أوصال المدينة بلا رادع. أما قضايا الإهمال الطبي، فغالباً ما تُطوى بصلح قبلي قسري أو تُجمّد لسنوات طويلة في الأدراج. يُوارى الضحية الثرى، فيما ينعم الجاني بحرية كاملة تفلت من طائلة القانون. فأي أيدي خفية تعطل ميزان العدالة؟ ومن ذا الذي يسبغ "الحصانة البيضاء" و"السوداء" على هؤلاء المجرمين؟


5. تكميم الأفواه: لماذا الناقدون مستهدفون والفاسدون محميون؟

في تعز، بات الصحفيون وكتاب الرأي يواجهون سيلاً من الملاحقات الأمنية والاستدعاءات القضائية المتعسفة لمجرد التعبير عن آرائهم وفضحهم لمواطن الإهمال والفساد. تُفتح الملفات القضائية وتتحرك الأجهزة للصحفي الذي يكتب محذراً من سلعة مغشوشة أو يبلغ عن شبهات فساد وإهدار للمال العام، في وقت تُقفل فيه ملفات التاجر والمسؤول الذي أُدخلت بضاعته وتربح من خلفها. يُستدعى الكاتب الذي يوثق خطأً طبياً فادحاً، بينما الممرض أو الطبيب المتهم يرقى ويواصل عمله كأن شيئاً لم يكن.


تُستغل بلاغات "الإهانة" و"السب والتشهير" كسيف مسلط لترهيب الأقلام الحرة، بينما يرفل الفاسدون ومبددو المال العام في حصانة غير معلنة.


أسئلة مشروعة أمام النائب العام والرأي العام

إن السكوت عن هذه الملفات يعد إدانة صريحة، ومن أبرز هذه الأسئلة التي نضعها على الطاولة:

من يدير اقتصاد السوق السوداء في تعز؟ ومن يملك سلطة إيقاف الوكالات الرسمية للغاز والمشتقات فجأة، وتشغيل شبكات التهريب فوراً؟ إنها معادلة معقدة أكبر بكثير من قدرات تاجر تجزئة أو جملة.


من يفتح منافذ المدينة أمام هذه السموم؟ وكيف تدخل شاحنات الأغذية المنتهية والأدوية المهربة وتُباع علناً بلا أدنى رقابة من الجمارك أو الصحة؟


من يحمي القتلة؟ ولماذا لا يُدان ممرض أو طبيب واحد جنائياً منذ عام 2020 رغم تكدس عشرات الوفيات الموثقة؟ ولماذا تُحفظ 90% من شكاوى الأخطاء الطبية في أدراج المجلس الطبي؟


أين تختفي حصص تعز؟ إذا كانت كميات الغاز والنفط تصل حسب البيانات الرسمية، فلماذا لا تصل للمواطن؟ ومن يراقب خط سيرها بدقة؟


ويظل السؤال الأهم الذي يخنق كل قلم حر: لماذا تُدفن التحقيقات؟ البلاغات عن الفساد، واختفاء المشتقات، والأدوية المغشوشة، والأخطاء الطبية تملأ الأدراج دون إعلان نتائج أي تحقيق رسمي للرأي العام، مما يجعل الصمت مبعثاً لشبهة تواطؤ واضحة.


المطلب الشعبي الذي لا مساومة عليه

أمام هذا الواقع المتردي، نرفع هذه المطالب الواضحة إلى النائب العام، وهيئة مكافحة الفساد، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة:

تشكيل نيابة متخصصة في الجرائم الطبية والاقتصادية بتعز، لتبدأ عملها فوراً.


فتح تحقيق قضائي علني وشامل في ملفات توزيع الغاز، تهريب الأدوية والأغذية، الأخطاء الطبية القاتلة، وجرائم الإفلات من العقاب خلال عامي 2024 و2025.


إيقاف كافة الملاحقات القضائية والأمنية ضد الصحفيين والكتاب على خلفية قضايا النشر، وإحالة أي دعوى إلى نيابة الصحافة والمطبوعات حصراً.


إشراك ممثلين عن نقابة المحامين والمجتمع المدني في لجان التحقيق لضمان الشفافية المطلقة.

نشر نتائج التحقيقات للرأي العام، مع إحالة كل من يثبت تورطه للقضاء، كائناً من كان.


كلمة الختام

في نهاية القول: صمت المؤسسات بعد اليوم ليس حياداً، بل شراكة كاملة في الجريمة. تعز لا تموت برصاصة القناص وحدها؛ بل تعز تُقتل كل يوم بالجباية، بالإذلال، بالدواء المسموم، بالغذاء المنتهي، بالمشرط الخاطئ، وبتجارة الأزمات. تعز تُذبح بيد من يفترض أنهم وُجدوا لحمايتها.

حسبنا الله ونعم الوكيل في كل من قصّر، وكل من تواطأ، وكل من تاجر بدماء الناس وكرامتهم.

"والله غالب على أمره"


#النائب_العام_اليمني

#وزير_العدل_اليمني

#مجلس_القيادة_الرئاسي

#الحكومة_اليمنية

#هيئة_مكافحة_الفساد

#الجهاز_المركزيللرقابة_والمحاسبة

#نقابة_الصحفيين_اليمنيين

#الاتحاد_العام_للإعلاميين_اليمنيين

#منظمة_العفو_الدولية

#هيومن_رايتس_ووتش

#الاتحاد_الدولي_للصحفيين

#مركز_الدراسات_والإعلام_الاقتصادي

#منظمة_سام_للحقوق_والحريات

#المرصد_الأورومتوسطي

#حماية_المبلغين_عن_الفساد

#حرية_الصحافة

#تعز_تبرأ_الفاسد_وتحاكم_المبلغ

#حماية_المبلغين_عن_الفساد

#حرية_الصحافة

#شبكة_المدافعين_عن_حقوق_الإنسان_الدولية

#الدفاع_عن_حقوق_الإنسان

#المدافعون_عن_حقوق_الإنسان

#منظمة_نضال_لحقوق_الإنسان