آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-09:50م

الجزار الذي حكم عاماً من الخراب

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - الساعة 08:17 م

محمد عبيد
بقلم: محمد عبيد
- ارشيف الكاتب


دخل إبراهيم بن موسى اليمن في مطلع القرن الثالث الهجري، قادماً من الحجاز بتوجيه من محمد بن إبراهيم بن طباطبا (أخ القاسم جد الإمام الهادي). يمتد نسب ابراهيم إلى موسى الكاظم وجعفر الصادق. جاء وخلفه جيش كبير، اتجه إلى بلاد أراد انتزاعها من خصومه، وسرعان ما استولى على موقع الوالي وبدأ تثبيت حكمه بالقوة. كان السيف أقرب أدواته إلى الحكم.


وجدت القبائل نفسها أمام حملة عسكرية تريد إخضاع البلاد. دخلت بعض القبائل في التحالف معه، وواجهته قبائل أخرى، ودخل الرجال في الأسر، وصارت الأموال والمواشي والبيوت جزءاً من نتائج الحرب.


فر الوالي العباسي إسحاق بن موسى بن عيسى نحو مكة، ودخل إبراهيم بن موسى صنعاء بجيشه. سيطر على المدينة، وضرب النقود باسمه، ومد نفوذه إلى مناطق واسعة. عاش حكمه قرابة عام، لكنه ترك وراءه وقائع جعلت ذلك العام حاضراً في كتب التاريخ بأخبار القتل والسبي ومصادرة الأموال.


صار الناس يعرفونه بلقب الجزار.


يذكر ابن كثير أن اللقب ارتبط بكثرة من قتلهم من أهل اليمن وبالأموال التي أخذها منهم. ويذكر تقي الدين الفاسي الرواية نفسها، بينما يربط أبو الفداء وابن الأثير اللقب بالقتل والسبي ومصادرة الأموال. حفظ المؤرخون الاسم لأن الرجل صنع له سبباً واضحاً.


بدأ إبراهيم تثبيت سلطته عبر التحالفات القبلية. تحالف مع بني فطيمة من سحار ابن خولان وبني سعد بن خولان، وكان علي بن عمرو بن يزيد في مقدمة حلفائه. دخلت الخصومات القبلية القديمة في حساب السلطة، ووجد بعض زعماء القبائل في الحملة فرصة لتصفية خصوماتهم مع خصومهم.


في صنعاء وقعت إحدى أشهر وقائع عهده. أمسك إبراهيم بمائة وخمسين رجلاً من الأكيليين وحلفائهم من آل أبان الحميريين وبني شهاب. ساقهم إلى صنعاء أسرى، ثم قتلهم جميعاً. بقي العدد محدداً في الروايات، مائة وخمسون رجلاً دخلوا الأسر وانتهت حياتهم في صنعاء.


امتدت الحملات إلى قبائل ومناطق أخرى.


يورد الباحث علي محمد زيد أسماء جماعات تعرضت لحملات إبراهيم، بينها الشهابيون، وبنو الحارث في نجران، والسليمانيون في عيان، واللعونيون في بريدة، والكباريون في أثافث، والإبارة في ظهر، والحواليون في بيت ذخار، وبنو نافع في السر وسرو حمير.


تحرك الجيش بين المناطق، ورافقته أخبار القتل والسبي ومصادرة الأموال. دخل الرجال في حساب القتال والأسر، ودخلت المواشي والأموال في حساب الغنائم. ووصلت الحملة إلى صعدة، وهناك أخذ الخراب شكلاً آخر.


هدم الجزار سد الخانق الواقع جنوب صعدة. كان السد يخدم البساتين ويرتبط بالنظام الزراعي في المنطقة، وأدى هدمه إلى انقطاع الماء عن الأراضي التي اعتمدت عليه. ينقل عبدالله بن حمزة أن إبراهيم خرب سد الخانق، وأن البساتين التي كانت تستفيد منه ظلت خربة إلى زمانه.


لم تسلم صعدة نفسها من الحملة. دمر إبراهيم الجزار أجزاء من المدينة، وغادر كثير من سكانها خوفاً من الجيش، ولم يبق فيها سوى جماعة في حيدان. حمل السكان ما استطاعوا حمله، وتركوا وراءهم بيوتاً وأملاكاً دخلت في الخراب.


ارتبط المال بالحرب ارتباطاً مباشراً. صادر إبراهيم أموال خصومه، وفرض إتاوات وضرائب ثقيلة على السكان، وجعل موارد البلاد مورداً لتمويل حملاته. وأرسل جيشاً اعترض قافلة تحمل كسوة الكعبة، فهزمه الجيش العباسي وعاد جنوده يتكففون الناس في الطريق.


تغير موقف المأمون بعد ذلك. أراد الخليفة استمالة إبراهيم، فولاه اليمن سنة 204هـ باسم الدولة العباسية. كان المأمون في تلك الفترة يتقرب من العلويين، وجعل ولاية العهد لعلي الرضا، شقيق إبراهيم، وزوجه ابنته. عاد إبراهيم إلى اليمن، وعاد معه الصراع. واجه علي بن محمد بن ماهان، ووقعت بينهما معارك انتهت بهزيمة إبراهيم. ثم عاد إلى صنعاء في حماية جيش أرسله المأمون بقيادة عيسى بن يزيد الجلودي.


حاول بعدها استعادة اليمن من حمدوية بن علي بن ماهان، فانتهت محاولته بهزيمته وانسحابه إلى الحجاز. غادر البلاد وانتهت سلطته بعد أن حكم قرابة عام. بقي اسمه في اليمن مرتبطاً بلقب الجزار، وبقيت في سيرته وقائع محددة حفظتها الروايات، مائة وخمسون رجلاً قتلوا في صنعاء، وسد هدمه في صعدة، وبساتين أصابها الخراب، وأموال انتزعتها الجيوش، وسكان غادروا بيوتهم تحت ضغط الحملة.


محمد عبيد

من صفحة الكاتب على موقع فيس بوك