أخيراً، أتحفتنا السلطة المحلية في تعز بـ "استنفارها" الميداني لمكافحة الكلاب المسعورة. خبرٌ يشعرك بالارتياح والثناء لو أننا نعيش في مدينة تُدار فيها مؤسسات الدولة بضمير المواطنة وشرف المسؤولية، لا بمسطرة الفساد، ونفوذ الجاه، وشغف التصوير.
لكن المكتوب يُقرأ من عنوانه، والتجربة المعجونة بالمرارة مع هذه السلطة علّمتنا ألا نثق بـ "البروباغندا" التي تُصنع تحت جنح الظلام. كل ما في الأمر أن مسؤولي المحافظة وجدوا في كارثة الكلاب المسعورة باباً جديداً للتربح، وموسماً دسماً لاستنزاف ما تبقى في الخزينة العامة؛ إذ تقام هذه الحملات الهزيلة لا لحماية أجساد المواطنين، بل لـ "إسقاط الواجب"، وتجميع صور التوثيق التي تُرفق بالتقارير الختامية لشرعنة إغلاق الملفات وتغطية النهب.
تُصرف عشرات الملايين من الريالات تحت بند "مكافحة السُّعار" واستئصال الكلاب الضالة، مبالغ طائلة تُقتطع من رمق هذا الشعب المحروم، ليكون نصيب الشارع منها بضعة أكياس من السموم العادمة والجرعات الشحيحة، بينما تُقسّم الملايين الحقيقية غنيمة باردة في المكاتب المكيفة بين المتنفذين والقائمين على هذه التظاهرة الإعلامية...
يُستغل خوف الناس وأرواح أطفالهم لتبديد المال العام، فتتبدد الميزانيات وتظل الأجساد الحافية تحت رحمة قطعان الكلاب المسعورة .
ثم تأتي الطامة الكبرى في التوزيع الجغرافي لهذه "المسرحية"؛ فالخوف كل الخوف ألا تتعدى هذه الحملات المبتورة الشوارع الرئيسية، والمربعات الحصينة التي يقطنها المسؤولون، والنافذون الذين يستقل أطفالهم السيارات المظللة والمصفحة. تُستنفر الطاقات لتأمين الأحياء المرفهة والفلل الفارهة، بينما تُترك أطراف المديريات والأحياء النائية تنزف خوفاً ورعباً.
في تعز، ليست الكلاب المسعورة وحدها من تهدد الناس، بل "التهميش المسعور" أيضاً. أطراف المدينة والأزقة الضيقة الحافية التي لا يزورها مسؤول إلا في مواسم الدعاية الانتخابية ، هي أكثر المناطق ظلاماً، وأشدها اكتظاظاً بأطفال الفقراء الذين يمشون إلى مدارسهم وأسواقهم فجراً تحت رحمة الشوارع المظلمة. هناك، حيث لا توجد وحدة صحية تملك اللقاح، ولا يملك الأب المعدم ثمن جرعة مضادة لداء الكَلَب إن عُضَّ ابنه، تكون المأساة مضاعفة والموت مجانياً.
إن الشارع المنسي في أطراف "محصاب مظفر تعز" أو أزقة المديريات النائية يحتاج الحماية أكثر ألف مرة من المربع المترس خلف الحراسات والمرافقين. وإذا كانت السلطات تتعامل مع الصحة والسلامة العامة كامتياز يُمنح لأصحاب النفوذ وتُحرَم منه الاحياء الشعبية، فهذا ليس تقصيراً فحسب، بل هو تواطؤ صريح مع المعاناة وجريمة مكتملة الأركان.
يا هؤلاء. السلامة ليست مناقصة تقسمونها على أهوائكم، وحياة طفل في أقصى هامش جغرافي بـ تعز تتساوى في القيمة والكرامة مع حياة أكبر مسؤول يجلس خلف مكتبه الفخم.
إن أردتم حملة حقيقية تبرئ ذممكم -إن بقيت لديكم ذمة- فاخرجوا من مربعاتكم الآمنة وفلاشات كاميرات مطبليكم السطحية. ابدأوا من الهوامش، من حيث ينتهي الإسفلت وتبدأ طرق الخوف، واجعلوا أولوية المكافحة لمن لا صوت لهم يوصلونه للإعلام.
أما إن كانت الحملة مجرد غطاء لتمرير الملايين وتبييض وجوه الفاسدين، فوفروا على أنفسكم هذا العناء؛ فالناس لم تعد تنطلي عليها مسرحيات الاستئصال الجزئي، والكلاب المسعورة ستظل تطارد الشرعية الأخلاقية لكل مسؤول يفرّق بين ابن الاحياء الشعبية وابن السرايا!
" والله غالبٌ على أمره"