آخر تحديث :السبت-25 يوليو 2026-01:47ص

الاستغاثة الأخيرة

السبت - 25 يوليو 2026 - الساعة 12:54 ص

مطيع الاصهب
بقلم: مطيع الاصهب
- ارشيف الكاتب


ليس كل غريق يصرخ.

في البداية يلوّح بيديه، ثم يرفع صوته، ثم يقاوم بكل ما بقي فيه من قوة. لكن البحر لا يرحم، والانتظار ينهك، والخذلان أثقل من الماء. وحين يكتشف الغريق أن الشاطئ مليء بالمتفرجين، وأن الذين رأوه يصارع الأمواج اكتفوا بالمشاهدة، يتوقف عن الصراخ. لا لأنه نجا... بل لأنه أدرك أن أحدًا لن يأتي.

الغريق لا يموت عندما يغمره الماء، وإنما عندما يفقد ثقته بمن يقفون على اليابسة.

وهكذا يبدو الشعب اليمني اليوم.

هناك من يفسر صمته على أنه رضا، ومن يقرأ هدوءه على أنه قبول، ومن يظن أن غياب الاحتجاج يعني أن الناس تأقلمت مع واقعها. لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير. فما يبدو صمتًا ليس إلا سنوات طويلة من التعب، وما يبدو هدوءًا هو إرهاق شعب استنزفته الحروب والأزمات والوعود المؤجلة.

لقد حمل اليمنيون فوق أكتافهم ما لا تحتمله الجبال. حملوا الحرب، وانهيار الاقتصاد، وغلاء المعيشة، وانقطاع الخدمات، وضياع المستقبل، ثم طُلب منهم أن يواصلوا الصبر، وكأن للصبر عمرًا لا ينتهي.

لم يعد الناس ينتظرون الخطب، ولا يصدقون الشعارات التي تتكرر كلما اشتدت الأزمات. فالوعود التي لا تتحول إلى واقع تشبه قوارب النجاة المرسومة على الورق؛ تبدو جميلة، لكنها لا تنقذ غريقًا.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي مسؤول أو أي صاحب قرار، أن يظن أن صمت الناس دليل رضاهم. فالشعوب لا تصمت دائمًا لأنها اقتنعت، بل قد تصمت لأنها استنفدت كل وسائل الشكوى، ولم يعد لديها ما تضيفه إلى سجل المعاناة.

واليمني، رغم كل ما مر به، لم يفقد كرامته، ولم يتخلَّ عن حلمه في وطن يحكمه القانون، وتُصان فيه الحقوق، وتكون الدولة فيه ملاذًا للمواطن، لا عبئًا عليه. لكنه تعب من الانتظار، وتعب أكثر من رؤية أزماته تتكرر، بينما تتغير الوجوه ولا يتغير الواقع.

إن الأوطان لا تُقاس بعدد الخطب، بل بقدرتها على أن تمنح أبناءها الأمل. وحين يغيب الأمل، يصبح الصمت لغةً يفهمها من يعرف معنى الألم، ويخطئ في تفسيرها من اعتاد سماع التصفيق أكثر من سماع الحقيقة.

فلا تخطئوا قراءة المشهد...

إذا رأيتم اليمنيين لا يلوّحون، فلا تظنوا أنهم يحيّونكم. وإذا لم تسمعوا أصواتهم، فلا تظنوا أن جراحهم التأمت.

إنها الاستغاثة الأخيرة. وبعد الاستغاثة الأخيرة، لا يبقى على الغريق أن يرفع يديه مرة أخرى، بل يبقى على من يقفون على الشاطئ أن يقرروا: هل يمدون أيديهم لإنقاذه... أم يكتفون بمشاهدة البحر وهو يبتلع الحكاية؟