آخر تحديث :الجمعة-17 يوليو 2026-12:57ص

قراءة في ثلاثية الفروق والأبعاد والمآخذ لبياني الرئاسة الأخيرين..!

الجمعة - 17 يوليو 2026 - الساعة 12:42 ص

منصور السروري
بقلم: منصور السروري
- ارشيف الكاتب


مدخل مهم

في تطور سياسي وعسكري متسارع عكس حجم التوتر السائد في المشهد اليمني، أصدر الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة، بيانين متتاليين بفارق زمني ضئيل لم يتجاوز الساعتين والنصف.

وجاء هذان البيانان ليكشفا عن تحول دراماتيكي في تعاطي الدولة مع التهديدات السيادية، والانتقال الفوري من مرحلة التلويح الدبلوماسي والتحذير السياسي إلى مرحلة الفعل العسكري المباشر على الأرض لحماية الأجواء والمنافذ اليمنية.

***

أولاً: الفروق الرئيسة والجوهرية بين البيانين.


يعد البيان الأول بمثابة بيان تحذير ورصد لانتهاك الحوثيين للأطر القانونية أمام المجتمع الدولي.

بينما البيان الثاني يعد بمثابة إعلان صريح عن تنفيذ إجراء عسكري رادع مع توضيح الابعاد السياسية والإنسانية لهكذا اجراء.

وفيما يلي تفصيل لأبرز الفروق الجوهرية الواردة في البيانين:


1 _ الحدث العسكري المباشر


البيان الأول (تحذيري) وتمت صياغته بلغة عامة ومحافظة نسبيًا، حيث تحدث عن وجود تصعيد متمثل في إصرار جماعة الحوثي على استقبال رحلة طيران إيرانية جديدة مخترقة للسيادة الوطنية، واكتفى بتوجيه القوات المسلحة والأجهزة الأمنية برفع الجاهزية واتخاذ التدابير، دون الإشارة إلى أي رد فعل عسكري ملموس قد نُفذ بالفعل.


البيان الثاني (عملياتي) وفيه حمل المكاشفة العسكرية المباشرة للشعب اليمني، معلناً بوضوح عن قيام القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بتنفيذ إجراء دفاعي حاسم تمثل في استهداف مدرج مطار صنعاء لقطع الطريق أمام محاولة فرض الأمر الواقع وردع الطائرة الإيرانية المخالفة.


2 _ طبيعة ومستوى القرارات والتوجيهات الرئاسية


البيان الأول: ركز على التوجيهات الروتينية للحكومة والجيش بضرورة اليقظة ومواصلة الاستعداد، مشيرًا في تذييله إلى أن "مجلس الدفاع الوطني" قد أقر إجراءات شاملة لحماية السيادة.

البيان الثاني: ارتقى بالقرارات إلى مستوى سيادي وأمني أعلى؛ إذ حدد فيه الرئيس (بصفته القائد الأعلى) أولويات ما بعد الضربة بـ "إعطاء الأولوية لحماية أرواح المدنيين وصون الممتلكات العامة، وعدم توسيع نطاق المواجهة".

كما تضمن دعوة عاجلة لـ "مجلس القيادة الرئاسي" لعقد اجتماع طارئ لتقييم الموقف وتنسيق الجهود الوطنية.


3 _ النبرة والرسالة السياسية


البيان الأول: غلبت عليه النبرة الدبلوماسية؛ حيث ركّز على استعراض المبادرات المرنة والمسؤولة التي قدمتها الحكومة الشرعية لتسهيل نقل المسافرين وتشغيل مطار صنعاء قانونيًا، ومحاولة إيضاح حجم الخرق الحوثي أمام المجتمع الدولي لكسب التأييد والغطاء السياسي.


البيان الثاني: اتجه نحو تبرير وموضعة العمل العسكري ومداه؛ وحرص (أي البيان) على توجيه رسالة قوية تؤكد أن عدم توسيع المواجهة عقب ضرب المدرج لا يعد تراجعاً أو تساهلاً بقدر ما هو قرار سيادي مسؤول اتُخذ من موقع القوة والثقة بغرض قطع الطريق على مساعي طهران في تحويل اليمن وأهله إلى ورقة تفاوضية لخدمة مصالحها الإقليمية.


4 _ التوقيت وزخم الأحداث المتسارعة


نشر البيانين بزمنين متقاربين جداً في موقع رئاسة الجمهورية فيلاحظ أن:

_ البيان الأول نشر عند الثانية ظهراً تماماً عاكساً القراءة الأولى والتقييم والتحذير الأولي للأزمة الراهنة.

_ البيان الثاني نشر بعده بنحو ساعتين ونصف وتحديداً في الساعة الرابعة وسبع وعشرون دقيقة عصراً كخطوة إعلامية عاجلة لوضع الشعب والمحيط الإقليمي والدولي أمام حقيقة الإجراء العسكري المتخذ ونتائجه الميدانية فور حدوثه.

البيان الأول رسم الخطوط النظرية للسيادة اليمنية، وحذر من مغبة تجاوزها.

والبيان الثاني رسم الخطوط العملية للسيادة بالبارود والنار عبر ضربة مدرج مطار صنعاء، مع تقديم قراءة سيادية متزنة تشرح الأبعاد الإنسانية والسياسية لقرار الردع لحماية اليمن من الانزلاق إلى حروب بالوكالة.

***

ثانياً: أبعاد ومآلات البيانين بشأن خروقات الحوثيين.


يمثل البيانان الرئاسيان الأخيران الصادران عن رئاسة مجلس القيادة الرئاسي في مضمونيهما وثيقة سياسية وتاريخية تؤسس لمرحلة جديدة من الصراع اليمني المعاصر.

إنها لحظة الخروج من إسار اللغة الدبلوماسية الهادئة والدخول في فضاء الفعل الاستراتيجي الحاسم الذي يعيد تعريف القوة والشرعية.

لقد ظلت الدولة لسنوات طويلة تمارس أقصى درجات ضبط النفس تحت لافتة الصبر الاستراتيجي لتجنيب المواطنين ويلات الحرب الشاملة.

لكن هذا الموقف الرئاسي يأتي ليعلن بوضوح أن الصبر لم يكن ضعفاً، بل كان خياراً أخلاقياً سقطت صلاحيته أمام التهديد الوجودي لسيادة الدولة.

ينقلنا هذا التحول من مربع الدفاع السلبي والاحتجاج الدبلوماسي إلى مربع المبادرة وصناعة الحدث على الأرض.

إن القوة هنا لا تُمارس كأداة للعدوان، بل كدرع أخلاقي ودستوري يحمي الكيان الوطني من التحلل والتبعية.

لقد أراد رئيس مجلس القيادة الرئاسي صياغة خطاب يتجاوز مجرد سرد الوقائع اليومية، ليضع أمام العالم رؤية متكاملة لنهج الدولة في مواجهة الفوضى.

هذا الانتقال النوعي يعكس نضجاً سياسياً في فهم اللحظة الراهنة، حيث لا مكان لأنصاف الحلول عندما يتعلق الأمر بالحقوق الدستورية والسيادية للبلاد.

***

*جغرافيا الأجواء والسيادة الوجودية


تأخذ السيادة في أدبيات هذين البيانين بعداً وجودياً يتجاوز التعريفات الجغرافية أو القانونية التقليدية.

الأجواء اليمنية لم تعد مجرد فراغ فيزيائي تعبره الطائرات، بل أصبحت خط الدفاع الأول عن كينونة الدولة وهويتها الوطنية.

إن إصرار المليشيا على استقبال رحلات جوية إيرانية خارج رقابة مؤسسات الشرعية يمثل محاولة رمزية لاغتيال سيادة الدولة وجعل سماء الوطن امتداداً للنفوذ الفارسي.

جاء استهداف مدرج مطار صنعاء ليعيد ترسيم الحدود بالبارود، مؤكداً أن الدولة هي الكيان الوحيد المخول بضبط حركة المنافذ والأجواء.

لم يكن هذا الفعل العسكري مجرد رد فعل تكتيكي، بل كان ممارسة لـ "العنف المشروع" الذي تحتكره الدول لحماية مجتمعاتها.

إن تدمير المدرج تقنياً يحمل رسالة سياسية بليغة بأن كل ما يُبنى خارج مظلة القانون والدستور هو باطل ومآله الزوال والتعطيل.

تؤكد هذه الخطوة الميدانية الجريئة أن الشرعية لم تعد تكتفي بالإدانة اللفظية، بل باتت تمتلك الإرادة السياسية والقدرة العسكرية لفرض سيادتها بالقوة.

لقد تحولت الأجواء من مساحة مستباحة إلى فضاء محرم يستلزم رداً فورياً وحازماً على أي خرق يتجاوز الحدود المرسومة.


***

*تفكيك الملف الإنساني وتعرية التوظيف الوظيفي للمعاناة


يمارس الموقف الرئاسي عملية تفكيك سياسي وأخلاقي دقيقة لما يمكن تسميته بـ "سردية المظلومية الحوثية الزائفة".

لقد دأبت الجماعة على استخدام مطار صنعاء وملف المسافرين كدروع بشرية وسياسية لابتزاز الشرعية والمجتمع الدولي.

لكن النص المشترك لبياني الرئاسة الأخيرين يعيد ترتيب الحقائق عبر الكشف عن المبادرات العملية التي قدمتها الحكومة الشرعية لتسهيل السفر وتسيير الرحلات.

إن رفض المليشيا لنقل وفودها عبر الناقل الوطني "الخطوط الجوية اليمنية" يكشف النوايا الحقيقية المتمثلة في البحث عن شريان موازٍ يربط صنعاء بطهران مباشرة بعيداً عن أي رقابة قانونية.

هذه التعرية السياسية تسحب البساط من تحت الدعاية الحوثية وتضع الرأي العام المحلي أمام حقيقة أن المليشيا هي المعطل الحقيقي لحياة الناس ومصالحهم.

يتحول الملف الإنساني في هذا التحليل من أداة ضغط ضد الدولة إلى دليل إدانة دامغ ضد المليشيا وسلوكها العبثي.

لقد أثبتت الرئاسة اليمنية أن حرصها على تخفيف معاناة المواطن لا يعادل التفريط في المقومات السيادية التي تحمي كيان المواطن نفسه على المدى الطويل.

إن المبادرات الحكومية السابقة لم تكن تنازلاً عن الحقوق، بل كانت إقامة للحجة وإبرازاً لروح المسؤولية التي تتمتع بها الدولة مقابل النزعة التدميرية للمليشيا.

***

* إدارة التصعيد وعقلانية القيادة السياسية


تتبدى حكمة القيادة السياسية في هذا الخطاب من خلال إدارتها الذكية لمنحنى التصعيد العسكري والسياسي.

إن الفعل العسكري الذي طال مدرج المطار كان جراحياً وموضعياً مصمماً لإرسال رسالة ردع محددة دون الانزلاق إلى مستنقع المواجهة الشاملة.

إن التوجيه الرئاسي بإعطاء الأولوية لحماية المدنيين وصون الممتلكات يجسد عقلية "رجل الدولة" المسؤول الذي يضع دماء المواطنين فوق أي اعتبارات أخرى.

تتعارض هذه الرؤية جذرياً مع سلوك المليشيات التي تقتات على الحروب المفتوحة وتستخدم دماء الأبرياء للمساومة الإقليمية.

إن الإعلان بأن قرار عدم توسيع المواجهة هو قرار سيادي مسؤول اتخذ من موقع القوة يمثل قراءة واقعية ممتازة لموازين القوى.

القوة هنا ليست اندفاعاً أعمى، بل هي فعل عقلاني ومحسوب بدقة، يهدف إلى تثبيت معادلة ردع جديدة تحكم المرحلة المقبلة.

الدولة في هذا السياق تثبت أنها لا تخوض المعارك بإنفعال عاطفي، بل برؤية استراتيجية تقرأ الميدان والسياسة في سياق واحد متكامل.

لقد مكنت هذه العقلانية السياسية الشرعية من الحفاظ على تفوقها الأخلاقي والسياسي، معلنةً جاهزيتها للسلام والردع في آن واحد.

***


* انتشال اليمن من رقعة الشطرنج الإيرانية


يضع البيانان الرئاسيان الأخيران حداً حاسماً لمحاولات النظام الإيراني تحويل الجغرافيا اليمنية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

إن التأكيد على رفض زج اليمن في صراعات لا تخدم مصالحه يمثل إعلاناً صريحاً باستقلال القرار الوطني والتمسك بالعمق العربي.

تتحول المعركة هنا من نزاع محلي على السلطة إلى معركة مصيرية لحماية الهوية الوطنية والقومية في مواجهة الاختراق الخارجي.

يوجه الموقف الرئاسي أصابع الاتهام المباشرة لطهران، محملاً إياها والمليشيات الحوثية المسؤولية القانونية والسياسية الكاملة عن هذا التصعيد.

هذا الوضوح في تشخيص العدو الخارجي يزيل أي لبس أو رمادية في المواقف، ويضع المجتمع الدولي أمام حقيقة الصراع وجذوره العميقة الممتدة إلى ما وراء الحدود.

إن اليمن يقرر اليوم أنه لن يكون مجرد صندوق بريد لرسائل الموت الفارسية، بل فاعلاً سيادياً يملك القدرة على حماية فضاءه الجغرافي والسياسي.

يقطع الخطاب الطريق على محاولات تدويل القضية وحصرها في صفقات إقليمية، مشدداً على أن القرار اليمني يصنع في العاصمة المؤقتة عدن وليس في أي عاصمة أخرى.

إن هذا التموضع الجيوسياسي الواضح يعزز من قيمة التحالفات العربية ويثبت جدوى التنسيق المستمر لحماية الأمن القومي المشترك.

***

*حتمية الاصطفاف الداخلي وتوحيد العقل الجمعي للشرعية


تأتي دعوة مجلس القيادة الرئاسي إلى اجتماع طارئ كخطوة استراتيجية لإعادة ترتيب الأوراق الداخلية وصياغة جبهة وطنية موحدة.

يدرك الرئيس أن مواجهة التحديات السيادية الكبرى تتطلب انصهاراً تاماً لكافة المكونات السياسية والعسكرية تحت مظلة الشرعية.

إن قوة الموقف الرئاسي لا تنبع فقط من الفعل العسكري، بل من الإطار المؤسسي الذي يتحرك من خلاله هذا الفعل لتعزيز فكرة الدولة الجماعية.

يتكامل هذا المسار مع التوجيهات الصادرة للحكومة والجيش والأمن بمواصلة رفع الجاهزية واليقظة على مختلف المستويات.

هذه الميكانيكية المؤسسية تضمن تحويل قوة السلاح في الميدان إلى مكاسب دبلوماسية وقانونية على طاولة التفاوض الدولي.

إن الاجتماع الطارئ للمجلس سيمثل لحظة الحقيقة لصهر التباينات وتدشين استراتيجية دفاعية موحدة تفرض هيبة الدولة في كافة الموانئ والمطارات.

لم يعد ممكناً بعد اليوم القبول بالمسارات الأحادية في الدفاع عن الجمهورية، فاللحظة تستدعي تكاملاً تاماً بين القوى لضمان فاعلية الردع.

إن مأسسة القرار السياسي والأمني هي الضمانة الوحيدة لاستدامة الانتصارات الميدانية ومنع تكرار الاختراقات التي تهدد أمن الوطن.

الرسالة للمجتمع الدولي: من لغة الرجاء الدبلوماسي إلى منطق المحاكمة

يمثل الخطاب تحولاً كبيراً في لغة التخاطب مع المجتمع الدولي ومجلس الأمن، مغادراً لغة الرجاء والدبلوماسية الناعمة.

الشرعية اليمنية اليوم تضع القوى الدولية أمام مسؤولياتها القانونية والتاريخية بإنفاذ القرارين 2140 و2216 وتطبيق العقوبات بحزم.

تقول الدولة للعالم بوضوح إن صمتكم وتراخيكم في حظر التسليح هو الذي شجع المليشيا على استمراء خروقاتها وتهديد الأمن والسلم الدوليين.

إن البيانين الرئاسيين الأخيرين يوضحان أن اليمن لن يرهن أمنه القومي لبيانات القلق والتنديد التي لم تعد تجدي نفعاً في مواجهة تعنت المليشيا المدعومة من إيران.

إن ممارسة الدولة لحقها الدستوري في الدفاع عن سيادتها هو فعل مشروع يكفله القانون الدولي، وهو الخيار الوحيد المتبقي لإجبار المجتمع الدولي على احترام التزاماته.

يتحول الموقف هنا من طلب المساعدة إلى محاكمة أخلاقية وسياسية للمنظومة الدولية العاجزة عن لجم الخروقات الحوثية المتكررة.

لقد أسس الخطاب لشرعية جديدة للتحرك الميداني، تقوم على الاكتفاء الذاتي بالقدرات الوطنية ومساندة الأشقاء دون انتظار إذن من القوى الكبرى.

إن هذا المنطق القوي يفرض على العواصم الفاعلة مراجعة حساباتها والتعامل مع الشرعية كقوة فاعلة على الأرض تستطيع تغيير المعادلات.

***


*ما بعد معادلات الاشتباك الجديدة، وخطوة الردع الجوي


في نهاية المطاف، يعيد البيانان الرئاسيان الأخيران تقديم الشرعية اليمنية ككيان حي قادر على الفعل والردع وصناعة الفارق في لحظات الأزمات الكبرى.

إنه مانيفستو سيادي جديد يربط بين حكمة القيادة السياسية وبسالة القوات المسلحة وبين وعي الشعب الذي يمثل الحاضنة الأساسية للدولة.

***

* ثالثاً: أبرز المآخذ والملاحظات على بياني الرئاسة اليمنية


على الرغم من القوة الرمزية والسيادية التي حملها البيان الرئاسي المدمج، إلا أن هناك عدة مآخذ سياسية، واستراتيجية، ولوجستية يمكن تسجيلها على ما ورد فيه عند إخضاعه للتحليل النقدي والموضوعي.

إليك أبرز هذه المآخذ والملاحظات.

أ _ المآخذ الاستراتيجية والعسكرية

وتبرز هذه المآخذ كما يلي:

1 _ الاعتماد على سياسة الرد المؤقت بدلاً من الردع المستدام.

إن حصر الرد العسكري في ضربة جراحية استهدفت "المدرج فقط" مع التعهد بعدم توسيع المواجهة قد يُفسر من قبل الطرف الآخر (المليشيا وحلفائها) كعلامة على التردد أو الخوف من الانزلاق إلى حرب شاملة.

هذا النوع من الردود الموضعية قد يعطل الانتهاك مؤقتاً لكنه لا يزيل قدرة الحوثيين المستقبلية على المناورة الجوية بمجرد إصلاح المدرج.

2 _ تأخر الفعل السيادي مقارنة بالتغلغل القائم.

جاء هذا الموقف الحاسم بعد سلسلة طويلة من التنازلات وبناء سلطة الأمر الواقع الحوثية على مدى سنوات، مما جعل الخطوة الردعية تبدو وكأنها "إطفاء لحريق" طارئ وليست انعكاساً لسياسة دفاعية متكاملة ومستمرة لفرض السيادة على المنافذ منذ البداية.

3 _ ضبابية البدائل الميدانية والأمنية لحماية الأجواء.

لم يقدم البيان رؤية واضحة حول كيفية منع أي اختراقات جوية مستقبلية تتجاوز نطاق "مطار صنعاء"، مثل استخدام مهابط سرية أو منشآت ترابية قد تستغلها المليشيا بدعم إيراني.


ب : المآخذ السياسية والدبلوماسية

وتتمظهر هذه المآخذ على النحو التالي:

1 _ الرهان المفرط على المجتمع الدولي العاجز.

لقد كرر البيان مطالبة مجلس الأمن بتفعيل العقوبات الدولية وتطبيق القرارين 2140 و2216، وهو رهان أثبت الواقع عدم جدواه لسنوات طويلة. هذا التكرار يظهر الشرعية كطرف لا يزال يربط جزءاً من فاعليته السيادية بموافقة ورغبة الأطراف الدولية بدلاً من فرض السيادة بقرارات وطنية خالصة ومستقلة.

2 _ محدودية الخيارات المتاحة في حال تكرار التحدي.

وذلك أن البيان وضع سقفا منخفضا للتصعيد، وهذا بحد ذاته يضع الرئاسة في مأزق سياسي حرج إذا ما أصرت إيران على تسيير رحلات أخرى أو إذا رد الحوثيون بتصعيد عسكري في جبهات حيوية كالبحر الأحمر أو منابع النفط.

3 _ غرس نبرة دفاعية تبريرية.

لقد بالغ البيان كثيراً في شرح وتبرير المبادرات التي قدمتها الحكومة لتسيير الرحلات الإنسانية وتقديم خيار الطائرات المستأجرة.

هذه النبرة التبريرية الزائدة قد تضعف لغة الهيبة السيادية، إذ لا تحتاج الدولة الشرعية إلى تقديم اعتذارات أو مبررات مطولة للرأي العام عند ممارسة حقها الدستوري في حماية أجوائها ومنافذها.

ج: المآخذ اللوجستية والإنسانية

وهذا النوع من المآخذ يبرز من خلال:

1 _ احتمالية تعميق العزلة الإنسانية للمواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين.

إذ على الرغم من إدانة البيان للتوظيف المليشياوي للملف الإنساني، إلا أن النتيجة المباشرة لتدمير المدرج ستقود حتماً إلى تجميد الرحلات المدنية المشروعة تماماً. هذا الأمر سيستغل من قبل الآلة الإعلامية الحوثية لترسيخ خطاب الحصار وتحميل الشرعية المسؤولية المباشرة عن معاناة المرضى والمسافرين.

2 _ غياب خطة الطوارئ الخدمية البديلة

حيث لم يتضمن البيان أو الإجراءات الحكومية المصاحبة حلولاً لوجستية عاجلة وملموسة لنقل المسافرين عبر مطارات بديلة في المناطق المحررة (كمطار عدن أو سيئون)، وتسهيل تنقلهم بأمان لتخفيف وطأة إغلاق مطار صنعاء المفاجئ.


***

أخيراً.. على رغم المآخذ التي قد تترتب على ما ورد في بياني الرئاسة اليمنية الأخيرين إلا أن المضامين الواردة فيها لا تعبتبر مجرد تمنيات وطنية، بل هي التزام دستوري وأخلاقي بأن السيادة الوطنية لم تعد قابلة للمساومة أو الابتزاز.

لقد وُضعت القواعد الجديدة للاشتباك، وأصبح مدرج مطار صنعاء شاهداً على أن الدولة إذا قالت فعلت، وإذا ضربت أوجعت، وإذا تأنّت فلأجل حياة مواطنيها.

إن هذا التحول الجسور سيظل نقطة علام فارقة في تاريخ النضال الوطني لاستعادة مؤسسات الدولة وترسيخ السلام العادل الذي يحمي اليمن ككيان حر عزيز مهاب.

لقد فُتحت صفحة جديدة في سجل الصراع، صفحة تُكتب فيها الحقوق بقلم القوة وتحت حماية هيبة القانون والدستور.

وسيكون على كافة الأطراف الإقليمية والدولية إعادة تقييم مواقفها بناءً على هذا الحسم الرئاسي الذي برهن على وعي القيادة وقدرتها الاستثنائية على قيادة السفينة في أحلك الظروف وأشد العواصف قسوة.