آخر تحديث :الخميس-09 يوليو 2026-12:44ص

ملاذ العدالة الأخير في تعز.. قراءة في الصفة الصحفية وروح قانون الصحافة اليمني

الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 11:07 م

محرم الحاج
بقلم: محرم الحاج
- ارشيف الكاتب


تضعنا الإجراءات الأخيرة المقترنة باشتراط النيابة العامة وجود "بطاقة نقابية" أو "مؤهل أكاديمي إعلامي " لإثبات الصفة الصحفية، أمام إشكالية قانونية وإجرائية تستدعي النقاش الهادئ والمسؤول.


إن تحويل البطاقة النقابية الصحفية من أداة لمنح التسهيلات والامتيازات إلى شرط وجوبي لمنح الحماية القانونية أو للاعتراف بوجود الصحفي، يمثل التباساً إجرائياً يتناقض مع جوهر التشريعات اليمنية النافذة، ويُخشى أن يؤدي إلى تضييق نطاق الحريات التي كفلها الدستور.


بالرجوع إلى وثائق نقابة الصحفيين اليمنيين، نجد إقرارات مهنية واضحة لا تحتمل اللبس؛ ففي ديسمبر 2020م، أصدرت النقابة بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحفيين شهادة رسمية ممهورة بختمها تؤكد مشاركتي في دورة "السلامة المهنية للصحفيين أثناء النزاعات". هذا التوصيف النقابي الرسمي لا يمنح صفة مجردة، بل هو إقرار واقعي بممارسة المهنة في أكثر الظروف تعقيداً؛ فالجهات النقابية والدولية لا تقدم تدريبات السلامة في مناطق النزاع للهواة، بل للممارسين الذين يواجهون تحديات الميدان لنقل الحقيقة. ومن المستقر قانوناً أن الإقرارات الصادرة عن الجهات ذات الاختصاص تُعد حجة قانونية يعتد بها.


ومن الناحية التشريعية البحتة، فإن قانون الصحافة والمطبوعات رقم 25 لسنة 1990م جاء واضحاً في فصله بين "أصل الحق في الممارسة" وبين "الوسائل التنظيمية". لقد حددت المادة (7) من القانون الشروط الموضوعية لمن يمارس العمل الصحفي، مرتكِزة على الجنسية، والسن، والأهلية، والخبرة أو المؤهل المناسب، دون أن تجعل من البطاقة النقابية أو تصريح وزارة الإعلام شرطاً مسبقاً لشرعية العمل أو لنيل الحماية.


هذا التفريق يتأكد بشكل قاطع في المادتين (10) و(11) من ذات القانون، حيث نص المشرّع على أن وزارة الإعلام تمنح بطاقة التسهيلات، والنقابة تمنح بطاقة المهنة، وحدد الغرض منها بوضوح: "يتمتع حامل البطاقة بكافة التسهيلات والمزايا التي تقدمها أجهزة الدولة" ،إذن، الوظيفة هنا إدارية وتنظيمية وتسهيلية، وليست "منشِئة" للصفة الصحفية. فالصفة تقوم على الممارسة الفعلية وتوفر الشروط الموضوعية، والبطاقة كاشفة لها وليست شرطاً لوجودها.


هذا التفسير البيروقراطي الذي يحاول حصر العمل الصحفي في قوالب إدارية ضيقة، يتصادم أيضاً مع فلسفة قانون مكافحة الفساد، الذي ينظر إلى الإعلام والصحافة كشريك أساسي وركيزة في حماية المال العام وكشف الاختلالات. وإن إخراج الصحفي الممارس من مظلته القانونية وحمايته الإجرائية - مثل عدم جواز الحبس الاحتياطي وضمانة سرية المصادر - بحجة غياب البطاقة، يفرغ هذه القوانين من محتواها الحمائي ويجعل أصحاب الكلمة في مواجهة شروط تعجيزية لا يتطلبها القانون نفسه.


وفي هذا السياق، يبرز التخوف المستمر من تفسير أي دفاع موضوعي أو نقد للإجراءات القضائية على أنه "إساءة للقضاء". إن القضاء، بوصفه سلطة عامة وملاذاً أخيراً للعدالة، يستمد هيبته من نزاهة إجراءاته وسيادة القانون. والنقد البنّاء الذي يتناول الأخطاء الإجرائية أو التجاوزات في تطبيق النصوص ليس جرماً ولا إساءة، بل هو رافد من روافد العدالة وضمانة لتصحيح المسار.


إن هيبة القضاء لا تتعارض مع حق الأفراد والصحفيين في الإشارة إلى مواطن الخلل، بل إن الصمت على التجاوزات هو ما ينال من هذه الهيبة.


وتأكيداً على هذا الحق، وتفنيداً لأي دفع شكلي أو تزيد بيروقراطي، فإنني أرفق مع هذا الطرح 20 وثيقة قانونية ومهنية دامغة، ترصد مسيرة ربع قرن من العمل الميداني المستمر وحتى هذه اللحظة؛ وهي وثائق تشهد أصلاً وبما لا يدع مجالاً للشك بصفتي وممارستي الصحفية الراسخة التي عُمدت بالجهد والعطاء في الميادين كافة.


ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري والمؤلم الذي يتطلب مراجعة مسؤولة من أصحاب القرار::

لماذا تتعمد بعض الأجهزة الأمنية والقضائية التضييق علينا كممارسين لمهنة الصحافة وملاحقتنا بالإجراءات التعجيزية، في الوقت الذي يُفترض فيه قانوناً ومنطقاً أن نلقى الدعم والمكافأة والمساندة على دورنا المهني والوطني في تنوير المجتمع، وكشف الحقائق، وإسناد مسار العدالة؟


#ختاماً، إن المنصة القضائية وسلطة النيابة العامة هي أمانة ثقيلة حملها رجال القانون لإقامة العدل بين الناس وفقاً لروح العدالة لا لشكليات البيروقراطية. إن موازين العدل تقتضي النظر إلى الحقائق الموضوعية والممارسة الفعلية المقترنة بنصوص القانون، تذكيراً بالمسؤولية الأخلاقية والشرعية الكبرى الملقاة على عاتق كل من يتولى الفصل في حريات وحقوق البشر أمام الله أولاً، وأمام المجتمع ثانياً.

" والله غالبٌ على أمره"