آخر تحديث :الثلاثاء-07 يوليو 2026-01:56ص

ما يحدث في تعز.. سلخ قسري للحق في الحياة

الثلاثاء - 07 يوليو 2026 - الساعة 12:55 ص

محرم الحاج
بقلم: محرم الحاج
- ارشيف الكاتب


ما تشهده تعز اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو سحق ممنهج للإنسانية، واغتيال مع سبق الإصرار والترصد للحق في الحياة. عشر سنوات عجاف مرّت، ولم تشرق شمس المدينة يوماً إلا وهي تحمل في أشعتها طعنة جديدة لجسد شعب أنهكته المآسي، وخنقته ممارسات عصابة لا تجيد سوى الجباية، ولا تتقن إلا فنون سحق المواطن وتطويعه ليعتاد البؤس ويتجرع الهوان، لتخلو لها الساحة لتقاسم الغنائم والبيع والشراء في سوق المعاناة.


إنها حقبة زمنية امتدت لقرابة عقد من الزمن، بُنيت بأكملها على كذبة التضليل، واستغفال العقول، وتزييف المفاهيم، وقلب الحقائق رأساً على عقب، وتسمية الأشياء بعكس مسمياتها. لكننا نرى الوجع كامناً في عيون الناس، ونحمل هذا الغضب العارم في صدورنا؛ لا لنكتفي بالصراخ، بل لنشهد، ونوثق، ونطالب، ونحذر قبل فوات الأوان..


تعجز الكلمات والحروف عن رسم المأساة بكامل تفاصيلها المرعبة.. انظروا إلى الوجوه تجدوها ذابلة، وقد غارت في مآقيها الأحلام، وتأملوا الأجساد الهزيلة التي لم تعد تقوى على حمل أثقال الهموم؛ فلا بريق للأمل، ولا طاقة لتحمّل المزيد. في كل بيت تنهيدة مكتومة لا يسمعها أحد، وفي كل أسرة حسابات مريرة ومفاضلة معقدة بين رغيف الخبز، وجرعة الدواء، وشربة الماء، وإيجار المسكن، قلق ثقيل وجاثم يعتصر القلوب ولا يُقال.. فهل تستوعب سلطات تعز فداحة المأساة وحجم الكارثة؟ أم أنهم استمرأوا العيش في تفاهة الكذبة التي نسجوا خيوطها حول تعز؟


إن من لا يزال ينطلي عليه هذا الخداع، أو يرتعد خوفاً من هؤلاء «الأبطال المزيفين»، لن يجني في النهاية سوى الصدمة والندم. فالخديعة ستبقى خديعة ولو آمن بها الجميع، وحبل الكذب مآله الانقطاع، ولن يكون المغفلون بمعزل عن الحساب والجزاء الأليم؛ فالتواطؤ بالصمت أو السذاجة يجمع صاحبه والكاذب في مصير واحد.


ولنترجم هذا البؤس بلغة الأرقام والوقائع الصادمة: لقد وصل سعر صهريج الماء المالح (سعة 3500 لتر) إلى 80 ألف ريال وسط أزمة خانقة في مياه الشرب! وفي المقابل، تتكدس نساء المدينة في طوابير طويلة حول صهاريج الإغاثة، يخضن معارك يومية للفوز بـ "دبة" ماء سعة 20 لتراً بسعر باهظ يصل إلى 600 ريال، بعد أن انقطعت مشاريع "السبيل" عن بعض أحياء المدينة.


وليس العطش وحده ما ينهش جسد هذه المدينة المنكوبة، بل إن ما يحدث في قطاع الصحة يمثل سلسلة من الجرائم النكراء التي تزكم الأنوف؛ حيث تحولت منشآت ومرافق طبية حكومية إلى بؤر خصبة للفساد الإداري والمالي وسوء إدارة المال العام دون رقيب أو حسيب. وإن ما يمر به "مركز 22 مايو الصحي" في مديرية المظفر ليرسم صورة حية وواضحة لهذا العبث الفج، حيث يتم التغطية على قضايا الفساد وإتاحة المجال للازدواجية الوظيفية الجسيمة، عبر تولّي شخصيات لإدارة منشأة صحية رسمية بالتزامن مع شغلها مناصب قيادية رفيعة في منظمات طبية أخرى، وقيادة نقابة طبية في استغلال واضح للنفوذ وتواطؤ مفضوح يدفع ثمنه المواطن البسيط من صحته وحياته.


والأنكى من هذه الجرائم، هو المسلسل الانتقامي الممنهج الذي يتعرض له الساعون لكشف الحقيقة والمبلغون عن قضايا الفساد والمنحازون لضمائرهم؛ فبدلاً من إنصافهم وحمايتهم، تحركت الآلة البيروقراطية المحلية لشرعنة الباطل، وهو ما تجلى بوضوح في الرأي القانوني الخبيث والمخزي الصادر عن مكتب الشؤون القانونية بالمحافظة، والذي جاء كمحاولة بائسة لتغطية الفساد الإداري الموثق وقمع الأصوات الحرة التي تملك الدلائل الدامغة لتعرية المتورطين.


إن ملاحقة الشرفاء ومحاولة توجيه التهم الكيدية إليهم وتزييف مواقفهم بدلاً من محاسبة الجناة الحقيقيين، بالرغم من تقديم كافة الوثائق والمستندات القانونية القاطعة التي تثبت التجاوزات وتكشف التواطؤ، يؤكد أننا أمام سلطة استمرأت التنكيل بكل من يرفع صوته دفاعاً عن الحق العام وقوت البسطاء.


وفي الوقت الذي يتجرع فيه المواطن مرارة العطش والمرض، تتسابق المنصات والقنوات الإعلامية التابعة لسلطة المدينة في بيع الوهم، وضخ الوعود الكاذبة بقرب انفراج الأزمة وتخدير الشارع.


حسبنا الله ونعم الوكيل في كل من حوّل تعز إلى ملعب لتصفية حساباته وصراعاته الضيقة، وفي كل من قدّم غروره ونرجسيته على مصالح الناس، وفي كل من خان أمانة الكلمة والمسؤولية والقرار، وفي كل من صمت لسانه عن قول الحق.

"والله غالبٌ على أمره".


صورة مع التحية :

مكتب رئاسة الجمهورية Office of the Presidency of the Republic of Yemen


مجلس القيادة الرئاسي اليمني Yemeni Presidential Leadership Council


رئاسة مجلس الوزراء اليمني