اختارت إيران يوم تشييع مرشدها السابق، لإعلان رفع الحصار عن صنعاء (العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة أذرعها المسلحة)، بالتزامن مع وصول وفد سعودي رفيع المستوى إلى طهران لتقديم واجب العزاء، في العاصمة اليمنية، سجل الحوثيون ما يمكن وصفه ببداية معركة رفع الحصار، حين خرج متحدث الجماعة يحتفي بفتح مسار رحلات متواصل بين صنعاء وطهران، وفي العاصمة الإيرانية استحضر النظام الإيراني "غزوة بدر"، أول مواجهة بين المسلمين وقريش، والتي انتصر فيها المسلمون رغم قلة عددهم وعدتهم، وجاء الاستحضار الإيراني لـ"غزوة بدر"، من خلال الآية 13 من سورة آل عمران، والتي تُليت أمام الوفد السعودي، قال تعالى "﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ صدق الله العظيم.
اختيار هذه الآية رسالة إيرانية للسعودية بأن الجمهورية الإسلامية انتصرت على تحالف أكثر من دولة من بينها الرياض التي تقول طهران ان ولي العهد السعودي "حض الولايات المتحدة الأمريكية"، على الاستمرار في الحرب حتى إسقاط نظام الملالي، قبل ان تحاول وسائل إعلام سعودية نفي تقارير نشرتها الصحافة الأمريكية خلال الحرب الأمريكية – الإسرائيلية في مواجهة إيران، أكدت دعم ولي العهد السعودي لحرب أمريكية – إسرائيلية تنتهي بإسقاط النظام الإيراني.
شنت إيران هجمات مكثفة بمئات الصواريخ والطائرات المسيرة على المملكة أساساً، تقول وزارة الطاقة السعودية إن تلك الهجمات خلفت خسائر فادحة وكبيرة في الاقتصاد السعودي المتعثر بفعل تعثر الكثير من المشاريع الاقتصادية العملاقة المعروفة ضمن رؤية 2030.
المسؤول عن الإعلام اليمني عبدالله النصار، استقبل موجهات من اللجنة الخاصة، بشأن إطلاق "حملة عتاب"، تجاه الحوثيين، تمحورت حول وسم #الحوثي_يرتهن_لايران_ويدمر_اليمن، ولو أتينا لتفسير هذا الوسم.. الارتهان الحوثي لإيران ليس بالشكل الذي كنا نتوقعه او نتصوره، فالجماعة خلال السنوات الماضية، قبل حرب الـ12 يوماً، كانت تتمتع باستقلالية كبيرة، إلى درجة ان الإيرانيين فقدوا السيطرة على توجهات الجماعة، وأصبح السخط الإيراني "ظاهرا على الأرجح"، منذ توقيع اتفاقية بكين 2023م، وهذا أمر لا ينكره حتى السعوديون أنفسهم، ويمكن القول إن السعوديين وعلى لسان الكثير من المسؤولين والمثقفين، قدموا سردية مختلفة تماما عن الوسم، حيث ذهب الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد بعيداً وأكثر من مرة إلى الزعم ان جماعة الحوثيين "أصبحت أداة سعودية"، بل انه ظل منذ ديسمبر من العام المنصرم يردد تلميحا وتوضيحا أن الحوثيين اصبحوا جزءاً من مشروع سعودي كبير، وان إيران لم تعد تتحكم بهم.
ولي العهد السعودي ومنذ بدء الهدنة الطويلة مع الجماعة في العام 2016م، ظل يقول إن الحوثيين "هم عرب وأقرب إلينا ونحن أقرب إليهم من إيران والنظام الإيراني"، هل كانت التقارير التي تصل بن سلمان "خاطئة"، وان فكرة الانتقام من جمال عبدالناصر لا تزال متوارثة لدى النخب والمسؤولين السعوديين، هذا إذا ما نظرنا لهذه الفكرة من زاوية تناولات "عبدالرحمن الراشد"، الكثير والمتكررة.. فالراشد ظل يقدم "سردية سعودية"، تصور ان جماعة الحوثيين يمكن ان تستعيد النظام الملكي في صنعاء، وان العاصمة اليمنية ستتخلص من "الفكر القومي والجمهوري"، وهو أمر قد يبدو طبيعي، فالسعودية مملكة ولا شك ان عودة الملكية إلى صنعاء فيه مصلحة سعودية، لكن اليوم وفي ظل تطورات الـ3 من يوليو 2026م، وبالنظر الى الاعتراف السعودي بأن الحوثيين "أصبحوا مرتهنيين لإيران"، فهذا يعني ان الجمهورية الإسلامية قد ضيقت الخيارات على "المملكة العربية السعودية"، وهنا يمكن ان نستشرف مستقبل الصراع على زعامة العالم الإسلامي "بين السعودية وإيران"، رغم الفوارق المذهبية أو توظيف كل دولة للمذهب في الصراع السياسي، لذلك الصراع الإيراني السعودي ليس مذهبيا ولكنه في الأساس صراع على زعامة العالم الإسلامي، حيث ترى الرياض انها صاحبة الزعامة ودائما ما توظف موسم الحجة في الدعاية السياسية، وهذا ظهر مؤخرا من خلال توجيه الدعوة لنجوم الفن والسينما والمؤثرين على مستوى العالمين العربي والإسلامي لأداء مناسك الحج الـVIP، حيث جرى مؤخرا وعلى غير العادة توظيف الدعاية السياسية والإعلامية في حج الـVIP، قد لا يبدو للكثيرين خاصة من السلفية والوهابية ان تقديم السعودية كدولة تستضيف جميع المذاهب، "فكرة مخالفة"، فالزعامة مطلوبة، وقد سبق وعلى مدى العامين الماضيين استقبال وفود من قيادات الحوثيين الذين رددوا شعارات مناهضة للسعودية في طواف بين الصفا والمروة، ولم تعترض الوهابية الدينية على تلك الشعارات هذا اذا ما قارنا الاعتراض الوهابي على العملية العسكرية والأمنية للقوات الجنوبية في وادي وصحراء حضرموت والمهرة، والتي أصدرت الوهابية فتاوى دينية تكفيرية، لم تستخدم ضد الحوثيين رغم الخلاف المذهبي المعلن.
اليوم لم يعد السجال حول من يمتلك قدرة "احتواء الحوثيين - إيران ام السعودية"، بل أصبح الجماعة اليمنية المسلحة جزء من منظومة تحالف إسلامي الرياض تريد ان تكون جزء منه لا متزعمة، وهذا يعود الى عوامل داخلية سعودية ربما هي على النقيض من مشروع ولي العهد محمد بن سلمان الطامح للعرش، فالمملكة الثرية اختارت التحالف مع إيران وتركيا وباكستان في مواجهة حلفاء اقليميين هم أقرب لها في الروابط الاجتماعية والقبلية، وهذا بحد ذاته مؤشر على ان الخيارات باتت ضيقة، فزعامة العالم الإسلامي لم تعد الرغبة الجامحة، خاصة وانه يجري الاستعانة بالجيش الباكستاني وخلق تحالفات مع الدولة الإسلامية النووية، وهو ما يعني ان هناك تحالف إسلام سياسي السعودية جزء منه، ولكن مستقبل يمكن يكن أن تؤول الزعامة لإيران التي تمتلك حضورا في الكثير من البلدان العربية والإسلامية وتحديدا السعودية، فأزمة العام 2016م، كفيلة بتأكيد الحضور الإيراني في بعض المحافظات السعودية ولو من البوابة المذهبية.
اليوم، وفي ظل هذه التحولات، لم يعد السؤال من كسب معركة اليمن، بل إلى أين تتجه الرياض في هذا الملف المعقد؟ وهل باتت مستعدة للقبول بخروج نهائي يطوي مرحلة طويلة من الوصاية السياسية التي امتدت منذ سقوط النظام الإمامي في ستينيات القرن الماضي؟ غير أن أي انسحاب سعودي من المشهد اليمني لا يمكن أن يتم دون تبعات ومسؤوليات تاريخية، تبدأ بإعادة الإعمار وجبر الضرر الذي خلفته سنوات الحرب. ومع ذلك، يظل مستقبل هذا المسار مرهونًاً بمدى قدرة اليمنيين على استعادة قرارهم الوطني وبناء مشروعهم السياسي والاقتصادي المستقل، خاصة في ظل التطلعات المتزايدة لاستثمار الثروات الوطنية، وفي مقدمتها النفط في محافظة الجوف، التي تمثل أحد أكبر المخزونات النفطية الواعدة في البلاد.
#صالح_أبوعوذل