آخر تحديث :الخميس-02 يوليو 2026-01:29ص

الريال المنهار والمعلم المنهك .. مأساة الأكاديمي اليمني في زمن "الزيادة الوهمية"

الخميس - 02 يوليو 2026 - الساعة 01:25 ص

أ.د.عبدالوهاب العوج
بقلم: أ.د.عبدالوهاب العوج
- ارشيف الكاتب


في مشهد يعيد إنتاج أزمته يوميًا، يقف الأكاديمي اليمني والمعلم أمام سبورة يتآكل عليها الطباشير، بينما يتآكل راتبه الذي لم يعد يكفي لشراء حقيبة لأطفاله، ناهيك عن توفير لقمة العيش. وبينما يتداول السياسيون قرارات "زيادة 20%" و"تحرير الدولار الجمركي" كحلول سحرية، يغوص المواطن في مستنقع الغلاء، ويهوي الريال اليمني في منحدر لا تستطيع القرارات الترقيعية وقفه.


إن الأزمة لم تعد أزمة رواتب فحسب، بل أصبحت أزمة دولة ومؤسسات واقتصاد فقد كثيرًا من أدواته، وأزمة مجتمع يدفع ثمن حرب طويلة وانقسام مالي وإداري انعكس بصورة مباشرة على حياة الإنسان اليمني. وبينما تتآكل القدرة الشرائية يومًا بعد آخر، يصبح الحديث عن تحسين الأوضاع عبر زيادات محدودة أقرب إلى محاولة تجميل واقع يزداد قسوة.

إنها "خدعة كبرى" بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

عندما يتحول الراتب إلى "إهانة شهرية"

لنقف عند الأرقام المجردة من أي عاطفة:

المرتب الأساسي للمعلم في اليمن يتراوح بين 46 ألف ريال يمني (للمتعاقد) و90 ألف ريال (للمثبت). وبسعر الصرف الحالي (نحو 1,500 ريال للدولار)، لا يتجاوز راتب المعلم 60 دولارًا، أي أقل من 250 ريالًا سعوديًا.

هذا المبلغ لا يغطي حتى ثمن كيس أرز (45 كجم) في أسواق عدن أو تعز، ناهيك عن إيجار منزل أو فواتير الكهرباء أو العلاج أو تعليم الأبناء.

قبل الحرب، كان هذا الراتب يعادل قرابة 400 دولار، وكان يكفي لتأمين حياة كريمة، أما اليوم فهو لا يكفي ليوم واحد من معيشة أسرة مكونة من خمسة أفراد. إنها ليست أزمة مرتب، بل أزمة كرامة إنسانية بامتياز.

ولا تتوقف المأساة عند حدود الغذاء، بل تمتد إلى كل تفاصيل الحياة؛ فالمعلم الذي يفترض أن يكون قدوة للأجيال أصبح عاجزًا عن شراء الكتب لأبنائه، أو دفع رسوم العلاج، أو حتى توفير الحد الأدنى من وسائل النقل للوصول إلى مقر عمله. وهكذا يتحول الراتب الشهري من وسيلة للحياة إلى تذكير مؤلم بحجم الانهيار الذي أصاب الدولة والمجتمع.

زيادة 20%: "مسكن ألم" لا يعالج الورم

قرار الحكومة بزيادة الرواتب بنسبة 20%، وإن كان خطوة في الاتجاه الصحيح شكليًا، إلا أنه في جوهره إجراء ترقيعي لا يتناسب مع حجم الانهيار. ففي الوقت الذي فقد فيه الريال أكثر من 90% من قيمته، تأتي زيادة لا تتجاوز 20%، وكأنها "حقنة مهدئة" لمريض يعاني من ورم خبيث.

الموظف الذي كان يتقاضى 100 ألف ريال سيصبح راتبه 120 ألفًا، وهو مبلغ لا يزال عاجزًا عن مواكبة الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات. أما المعلم المتعاقد، فزيادته لا تتجاوز 9 آلاف ريال، أي بضعة دولارات فقط، وهو مبلغ لا يشتري حتى احتياجات أساسية ليوم واحد لأسرة متوسطة.

هذه الزيادة ليست تحسينًا، بل محاولة لتمديد زمن الصبر قبل الانفجار الاجتماعي، وتغطية سياسية لفشل حكومي واضح في إدارة الأزمة.

والسؤال الجوهري هنا: كيف يمكن لأي زيادة في الرواتب أن تحقق أثرًا حقيقيًا إذا كانت الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من الزيادة نفسها؟ إن أي سياسة مالية لا تترافق مع استقرار سعر الصرف وكبح التضخم ستتحول إلى زيادة اسمية تبتلعها الأسواق خلال أيام قليلة، ليعود المواطن إلى نقطة الصفر.


انهيار الريال... أصل الأزمة

إن جوهر المشكلة لا يكمن في قيمة الراتب الاسمية، وإنما في القيمة الحقيقية للريال اليمني. فكلما انهارت العملة الوطنية، تراجعت القوة الشرائية للمواطن، وارتفعت أسعار السلع المستوردة التي يعتمد عليها اليمن بصورة شبه كاملة.

ولذلك فإن إنقاذ العملة الوطنية ليس ترفًا اقتصاديًا، بل ضرورة اجتماعية ووطنية، لأن استقرار سعر الصرف يعني استقرار أسعار الغذاء والدواء والوقود والنقل، وبالتالي حماية ملايين الأسر من الانزلاق نحو الفقر المدقع.


مأساة الأكاديمي: من قائد النهضة إلى ضحية الانهيار

الأكاديمي اليمني لم يعد مجرد مدرس، بل تحول إلى أيقونة صمود مأساوية:

كثير من أساتذة الجامعات في تعز وعدن وإب وحضرموت وصنعاء يضطرون للعمل في مهن هامشية (سائق أجرة، أو بيع في الأسواق، وغيرها من المهن الخدمية) لإعالة أسرهم.

جامعات حكومية تفتقد إلى أبسط وسائل التعليم: أقلام، شاشات ذكية، كتب، معامل، وحتى كراسٍ لائقة للطلاب.

أساتذة يحملون شهادات الدكتوراه يتقاضون رواتب تقل كثيرًا عما يتقاضاه أصحاب المهن البسيطة في العديد من دول المنطقة.

تسارع هجرة الأكاديميين والعقول والكفاءات، حيث يفضل كثيرون العمل في دول الجوار بأجر بضعة أيام يعادل ما يحصلون عليه خلال أشهر طويلة داخل اليمن.

هذا ليس فقرًا فقط، إنه تفكيك منهجي للمنظومة التعليمية برمتها. فكيف نبني دولة ونحن ندفع بناة الأجيال إلى هاوية الجوع والتشرّد؟

إن الجامعات التي كانت تمثل مصانع للعقول تحولت إلى مؤسسات تكافح من أجل البقاء، وأصبح الأستاذ الجامعي يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في البحث عن مصدر دخل إضافي بدلًا من التفرغ للبحث العلمي والإشراف الأكاديمي والإنتاج المعرفي، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة التعليم ومستقبل التنمية.


التعليم أول ضحايا الانهيار الاقتصادي

كل انهيار اقتصادي يبدأ بتراجع التعليم وينتهي بانهيار التنمية. فعندما يترك الأكاديميون الجامعات، ويتجه المعلمون إلى أعمال أخرى، وتفقد المدارس أفضل كوادرها، فإن الخسارة لا تقف عند حدود الحاضر، بل تمتد إلى أجيال كاملة.

إن الاستثمار الحقيقي في أي دولة يبدأ من الفصل الدراسي وقاعة المحاضرات، لا من تضخم الجهاز الإداري ولا من النفقات غير المنتجة. ولذلك فإن حماية المعلم والأكاديمي ليست مطلبًا نقابيًا، بل ضرورة وطنية واستراتيجية.


من يتقاضى بالدولار... لا يرى الألم!

المفارقة الأكبر أن من يتخذون القرارات ويتحدثون عن "الإصلاح الاقتصادي"، هم أنفسهم من يتقاضون رواتبهم – إن لم يكن معظمها – بالعملات الصعبة: الدولار الأمريكي، الريال السعودي، أو الدرهم الإماراتي.

هؤلاء لا يشعرون بلحظة انهيار الريال حين يذهبون إلى السوق، ولا يدركون أن موظفًا حكوميًا بات يعتمد على الدين لشراء الخبز. إنهم يعيشون في برج عاجي، حيث الأرقام مجرد بيانات، والزيادة مجرد قرار، ولا يرون خلفها وجوهًا شاحبة لأطفال يبكون الجوع في بيوت لا تجد طعامًا.

فهل يعقل أن يُطلب من أكاديمي ومعلم يعيش تحت خط الفقر أن ينتظر إصلاحات قد تستغرق سنوات، بينما من يتولون الأمر يعيشون في ظروف معيشية مختلفة؟

إن الفجوة بين صانع القرار والمواطن اتسعت إلى حد باتت معه معاناة الناس مجرد أرقام في تقارير رسمية، بينما هي في الواقع قصص يومية من الحرمان والقلق وفقدان الأمل.


الاقتصاد لا ينهض بالقرارات الإعلامية

إن استعادة الثقة بالاقتصاد الوطني تحتاج إلى سياسات نقدية ومالية متكاملة، تبدأ بتعزيز موارد الدولة، وتحسين إدارة الإيرادات، وإخضاع جميع الموارد العامة لرقابة مؤسسات الدولة، ووقف الهدر والفساد، وتفعيل دور البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية بعيدًا عن التجاذبات السياسية.

كما أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يربط بين زيادة الأجور والسيطرة على التضخم، وإلا فإن المواطن سيظل يدور في حلقة مفرغة من ارتفاع الرواتب الاسمية وتآكل قيمتها الحقيقية.


ما السبيل إلى الخلاص؟

الحلول الجذرية لا تكمن في زيادات شكلية أو قرارات جمركية منعزلة، بل في إرادة سياسية حقيقية لإعادة بناء الدولة:

استئناف تصدير النفط من الموانئ الحكومية، وتوريد إيراداته إلى الخزينة العامة وفقًا للقانون والرقابة المؤسسية.

توحيد سعر الصرف وإنهاء سياسة "ريالين" التي تمزق النسيج الاقتصادي.

ضبط الإنفاق غير المدني، خاصة في المؤسستين العسكرية والأمنية، بما يحقق كفاءة أعلى في استخدام الموارد العامة.

محاسبة الفاسدين الذين يستنزفون الجمارك والضرائب في المنافذ والموانئ.

رفع مرتب المعلم والأكاديمي إلى مستوى يحفظ كرامته ويوفر له حياة كريمة تتناسب مع رسالته الوطنية.

إعادة الاعتبار للتعليم والبحث العلمي بوصفهما أولوية وطنية، من خلال زيادة مخصصات الجامعات والمدارس، وتحسين بيئة العمل، ودعم البحث العلمي.

بناء شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمانحين لدعم قطاع التعليم باعتباره حجر الأساس لأي عملية تعافٍ اقتصادي وتنموي.


الخلاصة:

إن كرامة الأكاديمي والمعلم هي كرامة الوطن. فهما ليسا مجرد موظفين، بل حارسا الهوية والركيزة التي تقوم عليها أي نهضة حقيقية. وإن تركهما يتضوران جوعًا في ظل الأزمة الاقتصادية يعني عمليًا إضعاف أهم مقومات بناء الدولة والمستقبل.

إن قرارات الحكومة الحالية، مهما كانت مبرراتها، ستظل محدودة الأثر ما لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية ومؤسسية جذرية تحمي المواطن، وتصون كرامة المعلم، وتوقف نزيف العملة الوطنية، وتعيد الثقة بالاقتصاد.

إن الأمم لا تُقاس فقط بحجم احتياطاتها المالية، بل أيضًا بمكانة معلميها وعلمائها. فحين يُكرَّم المعلم تزدهر الأوطان، وحين يُهمَّش الأكاديمي تتراجع التنمية ويضعف المستقبل.

ولهذا فإن إنقاذ المعلم اليمني ليس مطلب فئة، بل مشروع وطني لإنقاذ اليمن بأكمله.

فإلى متى ستظل كرامة الأكاديمي رهينة سعر صرف الريال، يا من تنعمون برواتبكم بالدولار؟

الأكاديمي والمعلم اليمني ينتظر، والأجيال تترقب، والوقت ينفد.


أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز