بالأمس القريب، كدتُ أفقد طفلي الأصغر .. كادت إنسانيتهم الميتة تسرق مني بهجة عمري. في تعز، حيث يصارع المواطن للبقاء، يأتيك الموت تارة بقذيفة، وتارة أخرى بـ "مشرط" استهتار أو "قلم" طبيب يوقع على فحص مخبري خاطئ!
لقد شُخّص طفلي، بناءً على فحص مخبري مستهتر، بـ "الكوليرا"، وبدأت وتيرة العقاقير والمحاليل تجتاح جسده الصغير، ليتبين لاحقاً، وبعد جحيم من القلق، أن المرض الحقيقي لم يكن سوى "حمى فيروسية" عابرة! خطأ مخبري واحد، وتشخيص عشوائي، كانا كفيلين بإنهاء حياة ولدي.
بورصة المعاناة.. عقود سرية على حساب الأرواح
من المعيب والمخزي أن تتحول بعض المرافق الصحية الحكومية ، والمنشاءات الاستثمارية في هذه المحافظة من ملاذات آمنة للاستشفاء إلى أوكار للفساد المالي والأخلاقي؛ منشآت تتقن فن السمسرة وتبدع في إبرام "الصفاقات السرية" مع أطباء نزعوا رداء الرحمة، بغية استنزاف آخر ما في جيب المريض المنهك.
من خلال الملاحظة الدقيقة والمتابعة لما يحدث في كواليس القطاع الصحي (حتى وإن غابت الأدلة المكتوبة بسبب سرية هذه العقود القذرة)، يتضح حجم الكارثة:
شبكات مصالح مشتركة: ترتبط منشآت طبية (حكومية واستثمارية خاصة) بمجموعات من الأطباء بعقود سمسرة صريحة.
عمولات مغموسة بالدم: يتقاضى الطبيب عمولة تتجاوز في بعض الأحيان 30% من قيمة كل فحص مخبري أو كشفي أو جرعة دواء، بمجرد توجيه المريض إلى مركز أو صيدلية بعينها.
فحوصات وهمية: لضمان العائد المرتفع، يتم إغراق المريض بطلب فحوصات وإشاعات لا لزوم لها، بل والأدهى من ذلك، إعطاء نتائج وهمية وغير دقيقة تصنع من السليم مريضاً لبيعه الوهم!
نحن لا نطلب من الأطباء أن يكونوا ملائكة، فكل ابن آدم خطاء.. ولكن، عندما تتحول هذه المهنة الإنسانية المقدسة إلى تجارة رخيصة، يعتمد فيها الطبيب على حاجة المريض الملهوف ليبيع إنسانيته بحفنة من المال الحرام.. فهنا يسقط المنطق، وتُنتزع الرحمة.
أسئلة مشروعة إلى مكتب الصحة والسكان بتعز
أضع هذه التساؤلات، ليس من باب الاستفسار، بل من باب إقامة الحجة، أمام مكتب الصحة والسكان بالمحافظة، وفروعه في المديريات:
هل تستطيعون إنكار استفحال هذه الظاهرة السيئة؟ هل تعيشون في معزل عن أنين المواطنين وصراخ الضحايا من وحشية هذه السمسرة؟
أين الرقابة الدورية الحقيقية؟ أين دوركم في التفتيش على المنشآت الحكومية ، والمخابر والصيدليات ومطابقة نتائجها للتأكد من جودة الخدمة، وتحريك ضمائر الأطباء الميتة ليرتدعوا عن العبث بأرواح الناس؟
أم أن دوركم بات يقتصر -فقط لا غير- على "الدعممة" الممنهجة، والتغاضي عن مجمل هذه الممارسات الشيطانية الخاطئة، لتأمين المصالح الضيقة على حساب جثث الأبرياء؟!
اتقوا الله في تعز، وفي أطفالها، فأنتم موقوفون ومسؤولون أمام قاضي السماء قبل قضاة الأرض.
" والله غالبٌ على أمره"