آخر تحديث :الأربعاء-24 يونيو 2026-02:24ص

الصبيحي .. رجل من الزمن الجميل

الأربعاء - 24 يونيو 2026 - الساعة 01:25 ص

جمال حيدرة
بقلم: جمال حيدرة
- ارشيف الكاتب


يعتمل اليوم في بعض النفوس التي اعتادت أن تحتكر النضال والسلطة في آن واحد نوازع عدوانية خبيثة، تجاه كل من يعمل في سبيل الصالح العام في الجنوب، وخدمة للسواد الأعظم من المدفونيين تحت رماد الشعارت، وهؤلاء من حقهم أن يجدوا خدمات وصحة وتعليم ووظائف وحياة كريمة، وأن يأخذوا فسحة من الزمن بدون حروب وأزمات وشحن سياسي ومناطقي.


انظروا للمشهد جيدا وسترون الكثير منهم، وللأسف كلما اقتربت أي استحقاقات جنوبية سياسية أو اقتصادية، ووجدوا انفسهم خارج المشهد أو حتى ضمنه -ولكن بصلاحيات أقل- عادوا إلى الشعارات والخطب والتثوير، ودون أي وعي وطني أو احساس بالمسؤولية يجرون الشارع من حفرة إلى حفرة، ويلوحون عقب كل انتكاسة بالقوة، بهدف تقوية مواقعهم وتحسين شروط المساومة على مواقع وامتيازات أكبر.


نحتاج اليوم في الجنوب إلى قيادات على قطيعة تامة بماضي الصراعات والأحقاد، طاهرة من نوازع العظمة والاستكبار، متعافية من تضخم الإحساس بأنها صاحبة الحق الحصري بتمثيل القضية، ولديها قدرا كبيرا من القبول بالآخر، وتسليمه مقود القيادة متى ما فقدت السيطرة وخرجت عن المسار، قيادات لا تثور ولا تخّون ولا تتعالى على الشعب أو تهدد مصالحه وآمنه.


هذه السمات القيادية تتجسد في شخصية الفريق محمود الصبيحي، وحقيقة أحترم سيادة الفريق لكثير من السمات القيادية والوطنية، وهي كثيرة، إنما ما يزيد من من تقديرنا للرجل أنه لم يستخدم القضية الجنوبية قط، في سبيل الوصول إلى أي السلطة، منذ أن كان وزيرا للدفاع وحتى موقعه الحالي كنائب لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، وهذا الأمر بالنسبة لي هو سابقة جنوبية، ذلك أن معظم من تسنموا مناصب رفيعة في الدولة وصلوا إليها من بوابة القضية الجنوبية، واستثمروا الكثير من مفردات النضال في خطبهم وخطاباتهم لتحقيق مصالح شخصية ضيقة.


التقيت بالفريق محمود الصبيحي قبل حرب ٢٠١٥م وبعد الأحداث الأخيرة، والثابت فيه أنه رجل من الزمن الجميل ولم تؤثر فيه عوامل التعرية المادية التي تسبب بانهيارات قيمية وأخلاقية كبيرة..

رجل محافظ على توازنه الوطني، واضح وشفاف في طرحه وقناعاته دونما أي تحامل أو ضغينة تجاه قناعات الآخرين، وله قلب نظيف من الأحقاد ونوازع العظمة والاستعلاء، رجل وطني رفيع الأخلاق، ومترفع على الصغائر، حكيم وحليم في التعامل مع المرحلة، بكل ما ينطوي عليها من فرص وتحديات، وهذه كلمة حق في حق مسؤول حقيقي، لا تستهويه اضواء الكاميرات، ولا يطربه التصفيق.


هذه النماذج من القيادات الجنوبية من ينبغي الالتفاف حولها، لأن نجاحها ينعكس على الجميع، ومن النادر أن تجد قيادات حقيقية تكافح بوعي وطني كبير في سبيل ايجاد مخارج طوارئ للنجاة من الاختناق السياسي والاقتصادي الراهن، كما أنها لا تنتقي من يستحقون النجاة بناءا على انتماءات سياسية أو مناطقية أو مذهبية، بل تذهب أبعد من ذلك وتفكر بنجاة الجميع بما في ذلك المعرقلين للجهود، والحاقدين على أي تحسن، لا سيما وأنها تعي جيدا بإن معظمهم لا يدركون نهاية المسار الذي يدفعون إليه دفعا، إما لجهل أو لحاجة، وهي بذلك تضطلع بمسؤوليتها الوطنية والأخلاقية تجاه الجميع.