نحن شعب يعشق المفارقات القاتلة، ونجيد الرقص على حبال التناقض. بالأمس القريب، كنا نرفع "القعقاع" على أكتاف الإعجاب، نصفه بـ "الأسد" و"المغامر الشجاع"، ونتباهى بجرأته أمام العالم. واليوم، وبعد أن ابتلعته فوهة البركان، سارعنا لنصب محاكم التفتيش الأخلاقية بعد موته، لندينه بـ "التهور" و"إلقاء النفس إلى التهلكة".
كأننا نقول له بلسان حالنا البشع: "شكراً على جرعة المتعة المجانية التي قدمتها لنا وأنت حي.. والآن مُت وحدك، وتحمل وحدك وزر موتك!!
كفى تزييفاً للوعي.. محاكمة الضحية
إن تحويل فاجعة موت القعقاع إلى مجرد درس وعظي بارد عن "خطورة المغامرة"، هو قمة الاستخفاف بعقله وعقولنا. يجب أن نملك الشجاعة لنعترف:
القعقاع لم يكن في مواجهة عبثية مع الطبيعة، ولم يكن يتحدى البركان بحثاً عن نشوة الأدرينالين.
القعقاع كان يتحدى وطناً سلب منه أبسط حقوقه في الحياة الكريمة، فقرر أن ينتزع لقمة عيشه من فم الموت. كان يتحدى فقراً طاحناً أذله، وبطالة قسرية كسرته، ودولة غائبة نسيته تماماً، ولم تتذكره إلا وهو جثة هامدة لتسجل اسمه في كشوفات الوفيات.
اسمعوها جيداً وبلا رتوش: البركان بريء
هذا البركان خامد منذ آلاف السنين، لم يغادر مكانه ليقتل أحداً، ولم يطلب من البشر قرباناً. الذي قتل القعقاع، والذي يقتل شبابنا كل يوم بصمت، هو منظومة متكاملة من الخراب تتلخص في الآتي:
"طالة متوحشة" اغتالت أحلام الشاب قبل أن تولد، وأغلقت في وجهه كل أبواب الأمل.
"فساد مؤسسي" أكل الأخضر واليابس، والتهم تكافؤ الفرص، فلم يُبقِ للشباب سوى خيار المخاطرة بأرواحهم.
"إهمال حكومي مميت" حوّل المواقع السياحية والتضاريس الخطرة إلى "أسواق رزق عشوائية"، تعمل بلا أدنى معايير للرقابة أو اشتراطات السلامة.
هذا الواقع المرير يضع الشاب اليمني أمام معادلة صفرية قاسية، ويقول له بوضوح مفجع:
إما أن تموت جوعاً وقھراً في قعر بيتك، أو تموت شجاعاً في قعر بركان!
#الخاتمة:
القعقاع ليس مجرد حالة فردية طائشة نبكي عليها اليوم وننساها غداً.
القعقاع هو صورة مصغرة، شديدة الوضوح والدامية، لاقتصاد يمني كامل بات قائماً على "المخاطرة بديلاً عن الإنتاج".
هو مرآة تعكس وجه جيل كامل يُدفع نحو الهاوية دفعاً.
رحم الله القعقاع رحمة واسعة، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وعوّضه عن شقاء الدنيا وشبابه المهدور في جنات النعيم.
" والله غالبٌ على أمره"