بهذه الليلة كانت مليشيا ايران تشد الحبل، وترتب لصدام حسين، موتاً يغيظ كل العرب، صبيحة عيد .
كنت بعمر الثالثة عشرة ، وافق ذلك زواج ابن عمي مختار ، وأتذكر ملامح الناس في مصلى العيد وغياب أغلب المصلين، منهم من عاد لما سمع الخبر بمنتصف الطريق ولم يكمل الى المصلى، ومنهم من بكى ونحن نراه،
ولا نستطيع أن نمارس غواية الحزن، نحن أطفالاً .
أتذكر مجلس المقيل في القرية ، أغلبهم فوتوا غداء العيد وناموا عصراً ولا يمكن ليمني أن يفوت غداء وقات يوم العيد، الا بذلك اليوم التعس .
كانت السماء تمطر ، العيد الوحيد الذي لم تنقطع فيه السماء عن الغيث،والشمس لم تشرق ولم تغرب، كانت الغيوم هي المسيطر كلياً على السماء وقالوا جميعاً كما يقال في كل مصيبة : أمطرت السماء حزناً على صدام حسين .
نحن نعتقد أنها لما تمطر فهي تمطر في كل الأرض، أعتقدناها تمطر أيضاً في بغداد ومكة ، وفي كل عاصمة .
لا زلت أستمع لأحدهم الى الآن وهو يقول : ما عد تزوج مختار الا بيوم موت صدام .
زواجته هذه دبور .
هو العرس الوحيد الذي بلا رقص ولا أغاني، توقف كل شيء إكراماً لموت بطل عربي .
كم هي المسافة بين بغداد وريف تعز ؟
أكثر من ثلاثة ألف كيلو مسافة بين بغداد وتعز ومع ذلك أطفئت كل ميكروفونات الأعراس، كما لو الحادثة وقعت على بعد بيت وقرية .
هذا هو العربي .
العربي الذي شعر أن رقبته لفت بالحبل، كل عربي ، ولا أنسى منظر عمي بعينيه الحمراوتين بكاءً ، ونزيف أنفه دماً، حزناً وغضباً .
ولا زال ينزف الى الآن، من أول مرة ، صارت عادة النزيف تلازمه .
لا ننسى .
لا فرح بالعيد ولا زيارات ولا اطفال يركضون بملابسهم الجديدة كما لو حسوا وهم أطفالاً أن شيئاً ما قد حدث، هناك شيء غلط، ومخيف .
لم يكن الأمر إعدامه بقدر ما هي المهانة ، أن يختار يوم عيد كما لو هو خروفاً وأن يقوموا بتصوير المشهد، وتوزيعه، كما لو إنتصار .
لم يسقط وحده من على خشبة العمامة السوداء ، بل جميعنا سقط بلحظة عيد ، سقطنا الى لحظتنا هذه ، كانت النهاية لجيل عربي جبار وقوي،
مفتتح عقدين من الشتات والدمار وفقدان كل شيء .