خطاب فخامة الرئيس د/ رشاد محمد العليمي President Dr. Rashad Al Alimi الليلة في الذكرى الـ26 للوحدة لم يكن "مرآة" كما يوصف. كان مطرقة. مطرقة تحطم أصنام الماضي وتعيد صياغة قواعد الاشتباك الوطني. من يقرأه كخطاب مناسباتي يخطئ الهدف. هذا بيان قائد في زمن الحرب، اختار أن يهاجم على كل الجبهات: جبهة التاريخ، وجبهة الواقع، وجبهة المستقبل.
قراءتي التحليلية الاستراتيجية لخطاب الرئيس يمكن تلخيصها بإجاز في ست نقاط :
1- ( النقطة الأولي ):الهجوم على سردية الضحية: من الاعتراف إلى نزع السلاح الأخلاقي.
الرئيس سحب البساط من تحت كل من يتاجر بالقضية الجنوبية. عندما قال إن إنصاف الجنوب "التزام ثابت لا رجعة فيه"، لم يكن يغازل الانتقالي. كان يجرده من ورقته الأخيرة. الرسالة: الدولة هي من تعترف، وهي من تنصف، وهي من تعالج. لا أحد يملك الحق الحصري للحديث باسم الجنوب بعد اليوم. هذا تحويل للملف من سلاح انفصالي إلى مشروع دولة.
الجرأة هنا ليست في قول الحقيقة. الجرأة في استخدام الحقيقة كسلاح. الرئيس لم يجلد ذات الوحدة. هو جلد كل من خان الوحدة باسمها، وكل من يحاول قتلها باسم مظلوميتها.
2- ( النقطة الثانية ) كشف المستور: الدولة كانت على حافة السقوط الثاني.
أخطر ما في الخطاب ليس ما قاله عن الماضي، بل ما لمّح إليه عن الحاضر القريب. حديثه عن "منعطف أمني خطير كاد يهدد مركز الدولة في المحافظات الجنوبية والشرقية" ليس استعراضاً. هو إعلان أننا نجونا من انقلاب جديد بأعجوبة. والإشادة بالدعم السعودي ليست مجاملة دبلوماسية. هي تذكير بأن الشرعية لولا عمقها العربي لكانت الآن في المنفى.
هذا التكتيك يسمى "سياسة حافة الهاوية المعلنة". الرئيس يقول للجميع: من يريد تكرار المغامرة سيتحمل دمها.
3 - ( النقطة الثالثة ) مصالحة القوي: لا عفو مجاني ولا أحضان مفتوحة للجميع
قرار إسقاط أوامر التوقيف ليس ضعفاً. هو قوة. القوي وحده من يستطيع أن يعفو. لكنه عفو مشروط بصرامة: "لمن لم يتورط في جرائم كبرى". الترجمة: الدولة تفتح بابها، لكنها لا تنسى. تفرق بين المعارض السياسي وبين القاتل واللص. هذه رسالة مزدوجة: طمأنة للخائفين، وإنذار للمجرمين. "الجمهورية تتسع للجميع" نعم، لكن بشرط: "العودة إلى صف الدولة والقانون". من يبقى خارج الصف، هو من اختار مصيره.
4- ( النقطة الرابعة ) خريطة الطريق: ميثاق حرب وليس وثيقة سلام
الحرب على الحوثي أولاً : لا سلام مع كهنوت. هذه البندقية لها صوت واحد..
المرجعيات الثلاث سقف لا ينزل: من يريد التفاوض، فليأتِ تحت هذا السقف أو يبقَ في العراء.
الاندماج الخليجي هدف استراتيجي: اليمن عربي. والحوثي مشروع فارسي. لا منطقة رمادية.
5- ( النقطة الخامسة ): هذا ليس خطاب "إنصاف وشراكة". هذا خطاب "اصطفاف أو عزلة". الرئيس وضع الجميع أمام مسؤولياتهم: إما دولة، أو فوضى لن ينجو منها أحد. وجملة "انهيار الدولة لن ينجو منه أحد" ليست تحذيراً. هي حكم.
6 - ( النقطة السادسة ) اللغة: رصاص مغلف بالدبلوماسية : لغة الخطاب مدروسة كطلقة قناص. استخدم "انحرافات خطيرة" بدل "جرائم". استخدم "مظالم عميقة" بدل "احتلال". لماذا؟ لأن الهدف ليس جلد الذات. الهدف نزع فتيل الانفجار مع الإبقاء على البارود جافاً. هو يسمي الأشياء بأسمائها دون أن يمنح العدو ذخيرة مجانية. هذه لغة رجل دولة في الحرب، لا خطيب في مهرجان.
الخلاصة : خطاب ما بعد المجاملة
خطاب الرئيس العليمي في الذكرى الـ26 للوحدة هو إعلان نهاية زمن المجاملات الوطنية. زمن "الوحدة أو الموت" الشعاراتي انتهى. بدأ زمن "الوحدة أو الفناء" الواقعي.
الرسالة للجنوب: حقوقكم عند الدولة، لا عند الميليشيات.
الرسالة للشمال: لا وحدة مع كهنوت.
الرسالة للنخب: زمن الترف السياسي انتهى. المعركة على الأبواب.
الرسالة للحوثي: لا مكان لك في المعادلة الجديدة.
هذا الخطاب لا يُلتف حوله بـ"عقلية الشركاء" فقط. يُلتف حوله بعقلية المقاتلين. لأنه لم يترك خياراً ثالثاً: إما أن تكون مع مشروع الدولة فتبني، أو تكون ضده فتدفع الثمن.
التاريخ لا يسجل خطابات الاعتراف. التاريخ يسجل خطابات الفعل. وهذا الخطاب، إن لحقته البنادق، سيُكتب كأول طلقة في معركة استعادة الجمهورية. وإن لم تلحقه، سيُكتب كآخر فرصة أضعناها.
" والله غالب على امره"
من صفحة الكاتب على موقع فيسبوك