آخر تحديث :الأربعاء-13 مايو 2026-12:06ص

الصراع الشريف والسقوط الرخيص

الثلاثاء - 12 مايو 2026 - الساعة 11:54 م

مطيع الاصهب
بقلم: مطيع الاصهب
- ارشيف الكاتب


ليست كل المعارك متشابهة؛ فهناك صراع يولد من رحم القيم والمبادئ، وهناك سقوط يبدأ حين تُباع الأخلاق بثمن بخس.


الصراع الشريف هو أن تختلف وأنت متمسك بإنسانيتك، وأن تواجه خصمك دون أن تتحول إلى نسخة مشوهة منه، وأن تدافع عن وطنك أو فكرتك دون أن تدهس الحقيقة أو تقتل الضمير. أما السقوط الرخيص، فهو حين يصبح كل شيء مباحًا من أجل المكاسب: الكذب، والتحريض، والخيانة، والمتاجرة بآلام الناس.


في الأزمات تظهر المعادن الحقيقية؛ فهناك من تشتد عزيمته في المحن، فيرتقي أخلاقًا ووعيًا ومسؤولية، وهناك من تكشفه الفوضى، فيسقط سريعًا في مستنقع المصالح الضيقة. فالبعض يرى في الوطن قضية تستحق التضحية، فيما يراه آخرون مجرد غنيمة يتقاسمها المنتصرون. وبين هؤلاء وهؤلاء تُرسم ملامح المرحلة.


الصراع الشريف لا يحتاج إلى شتائم ولا إلى حملات تخوين، لأنه يستند إلى موقف واضح وقناعة صلبة. الشريف قد يخسر جولة، لكنه لا يخسر نفسه. يحترم الناس حتى وهو يختلف معهم، ويرفض أن يبني مجده فوق أنقاض الحقيقة. أما السقوط الرخيص، فيبدأ حين يقتنع الإنسان بأن الوصول أهم من الطريقة، وأن السلطة أهم من الكرامة، وأن الشهرة أهم من المبدأ.


كم من حزب، أو شخص، كان الناس يرفعونه احترامًا، فسقط حين باع مواقفه، وكم من حزب، أو شخص، خلدته المواقف لأنه رفض الانحناء رغم الضغوط. فالتاريخ يتذكر من ثبتوا حين اهتز الجميع، ومن حافظوا على أخلاقهم حين أصبح الانحدار موضة العصر.


المشكلة أن بعض المجتمعات بدأت تتعايش مع السقوط وكأنه أمر طبيعي؛ فأصبح الكذب شطارة، والانتهازية ذكاء، والتلون مرونة سياسية. ومع الوقت تضيع المعايير، حتى يصبح صاحب المبدأ غريبًا. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن الأمم تنهار حين تفقد قدرتها على التمييز بين الشريف والرخيص.