آخر تحديث :الإثنين-13 أبريل 2026-09:10م

هندسة الانهيار

الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 07:44 م

مروان نبيل
بقلم: مروان نبيل
- ارشيف الكاتب


عقب مكالمة مطولة مع زميل إعلامي ذو مكانة مرموقة ، أخذنا الحديث فيها بين ثنايا تفاصيل العمل ودروب الأحوال المرهقة، قال لي وهو يربت على كتفي بصوته: "لا تيأس.. أنت ترى الآن النسخة الأقوى مني ، لكنك لم تَرَ ذاك الذي جاء من القرية لتوه، أشعث أغبر، لو أقسم على الله لأبره".❤️


ذهبت بنا الكلمات إلى مناطق بعيدة في الذاكرة، لكنها أيقظت في نفسي حاجة ملحة لأن أكتب عن "الله"، وكيف يفعلها؟ كيف يعيد ترتيبنا بعد كل هذا الشتات؟ أو كما أحب أن أسميها: ب "هندسة الانهيار".❤️


حين تقف عاجزاً أمام فوضى حياتك، متسائلاً كيف يمكن لهذا الحطام أن يلتئم، فإنك في الحقيقة تصطدم بمحدودية حواسك أمام لا نهائية التدبير. نحن كبشر نقيس الأمور بميزان "الموارد المتاحة"، فإذا ضاع المال بحثنا عن مصدر بديل نراه بأعيننا، وإذا تبعثرت خططنا حسبنا الخسائر بلغة الأرقام والزمن، لكن الله لا يرمم شتات الإنسان بمنطق "المُصلح" الذي يحتاج إلى أدوات خارجية، بل بمنطق "الخالق" الذي يملك مفاتيح الغيب ويوجد المخرج من حيث لا تحتسب.


إن هذا العجز الذي يشعر به قلبك هو برهان على أنك تحاول حصر البحر في كف يدك, فأنت ترى العقدة المستحيلة، وهو سبحانه يمسك بطرف الخيط الذي لم يظهر لك بعد في كادر الرؤية.

إعادة ترتيب حياة مبعثرة ليس مجرد عملية ميكانيكية لإعادة الأشياء إلى أماكنها القديمة، بل هي "هندسة ربانية" تعمل عبر مسارات خفية ودقيقة؛ فقد يأتيك العوض في فكرة تخطر ببالك، أو في باب يُفتح لك نتيجة لقرار تافه اتخذه شخص في قارة أخرى لا تعرفه، وهو ما يسمى ب "أثر الفراشة" في تدبير القدر.

إن الله حين يرمم الخراب، لا يعيد الأشياء دائماً إلى سيرتها الأولى، بل غالباً ما يبني من حطامك نسخة أكثر نضجاً وأشد قوة، تماماً كما تلتئم الجروح لتصبح الأنسجة في موضع الندبة أصلب مما كانت عليه قبل الجرح.


نحن نستصعب "كيفية" الإصلاح لأننا نراقب الأجزاء المكسورة تحت أقدامنا، أما هو فيرى "النمط المكتمل" في نهاية الرحلة، حيث كل فقدٍ كان فراغاً ضرورياً ليمتلئ بشيء أجمل.


لذا فإن  "هندسة الانهيار" ،  هي طيُّ صفحة قديمة لفتح كتاب جديد وأقدار تؤدي لأقدار اخرى