ما بين قول صالح "دقوهم بالقناصات" وشعار صعتر "يموت الشعب كله ويبقى مليون فقط" تمتد واحدة من أكثر مراحل الخصومة اليمنية قسوة، حيث دُفع الناس إلى الواجهة وقوداً لمعركة نفوذ طويلة.
وربما تكون قيمة طارق صالح اليوم في قدرته على ترك هذا الماضي وراءه، وبناء خطاب ينقذ اليمنيين من تكرار المأساة لا مناكفة أطرافها فقط .
ولعل أول ما يقتضي هذا الخروج من الماضي، هو قراءة الصراع بين المؤتمر والإصلاح كما هو، بعيد عن الانتقائية ، وبعيد عن محاولات تحميل طرف واحد كل أوزار مرحلة اشترك الجميع في صناعتها.
لا يلوم أحد صالح وعائلته على التحالف مع جناح التنظيم العالمي للإخوان المسلمين ، بينما يستغل ما يسمى بحزب الإصلاح وناشطيه قضية التقاء صالح مع الحوثيين كوسيلة لإسقاط طارق صالح في الساحل ، ونجحوا كذلك في تحجيم دور نجله أحمد الذي جمد المؤتمر الشعبي العام في الخارج لأسباب غير معروفه .
صالح كان تعاونه مع الإخوان عابر للإقليم ، وكانت اليمن مرتعاً كبيراً لقيادات التنظيم العالمي ويتم استقبالهم بشكل رسمي ، بل أنه سلمهم زمام القبيلة اليمنية بتعيين الشيخ الأحمر زعيماً روحياً للتجمع اليمني للإصلاح ، وكان يتغاضى عن الحروب ضد الدولية ضد الإخوان ويطالب بقياداتهم المُتهمة بالإرهاب ، ويخلط ما بين يمنيتهم وتبعيتهم للتنظيم .
كان صالح يستقبل حماس ، ويُمهد لهم الجمعيات ويعينهم حتى مالياً من تحت الطاولة ويستخدم كذلك أوراقهم في الجامعة العربية والمحافل الدولية وصولاً إلى مجلس الأمم المتحدة ، ويجعل من موقفهم المقاوم موقف الدولة بشكل عام .
صالح كان سياسياً بارغماتي ، وهو ما جعل خصومه يصموه إلى اليوم بالراقص على رؤوس الثعابين ، وهذه ميزة وليست عيب ، كما يظن البعض ، فللسياسة رجالها ، ولكل زمان تحالفاته ، وليس في السياسة ثابت ، بل إدارة توافق الوضع بما يحقق مصالح الجميع .
هذا المبدأ موجود لدى الإخوان بمسامهم السياسي في اليمن حزب التجمع اليمني للإصلاح ، فقد انقلبوا على الرجل ، وتحالفوا مع كافة خصومه دون استثناء في العام 2011 ، من الاشتراكي إلى الناصري ومروراً بالمليشيا القبلية التابعة لهم التي قطعت الطريق والكهرباء وافتعلت حرباً في الحصبة ووصل التحالف هذا استقبال مليشيا إيران جماعة الحوثيين .
وبرغم محاولات صالح تحجيم العداء ،والفجور في الخصومة تحت مظلة البارغماتية وتبادل المصالح ، تقاسم معاهم السلطة دون الرجوع إلى النظام ، بتسوية المُبادرة الخليجية ، وهذه كانت كارثة سياسية على المؤتمر ، وبرغم ذلك اعتبروا ما حصل انتصار ، وذروا الملح على جراح صالح ، وفجروا في تحجيمه والمؤتمر بالوصول إلى العزل السياسي غير المُعلن .
نعم .. تم إقصاء الكثير من قيادات المؤتمر من مناصبها ، وشراء ولاءات كثيرين وإهانتهم ، وتجميد أرصدة الحزب في البنك المركزي ، وإغلاق قناة اليمن اليوم وحصار جامع الصالح ، ومحاولات لملاحقة صالح دولياً ، وحشره في الثنية وقرية الدجاج كمقرات إقامة جبرية .
كان المؤتمر التابع لصالح طيلة أعوام 2012 وما تلاها مُستثنى من الوساطة مع الحوثيين الذين اعتذرت لهم حكومة الوفاق عن حروب صعدة ، وتشخيص صالح كمجرم خاض 6 حروب ضد جماعة يمنية ، وقد نبشوا قبر حسين الحوثي وساهموا سياسياً في بناء مزارٍ له ، واستبدلوا محمد قحطان بٱخر اسمه شمسان ، وانبطحوا للجماعة في سبيل عدم عودة صالح أو المؤتمر للواجهة .
وبعد هذه المصائب كلها ، خرجوا في مسيرة من الستين إلى الزبيري ليعلنوا ما يُسمى "الاصطفاف الوطني" لكنهم كانوا وحيدين في الساحة اليمنية بعدما استعدوا كل فرد داخل أكبر تنظيم شعبي وسياسي في اليمن ، وهو المؤتمر الشعبي العام .
لم يكن صالح يومها في أوج قوته التي تسمح له بأن يعيد اللعبة السياسية من نقطة الصفر ، ولا يملك صحة مناسبة بعد أن استهدفوه في جامع دار الرئاسة ، وهادنوا مع الحوثي من حوش تابع لشركة سبأفون للدخول إلى مقر إقامته "الثنية " وتفجيره في صلاة الجمعة بحسب المخطط ، ولم يعد لصالح لا جيش ولا أمن للحفاظ على اليمن شرهم وشر الحوثيين .
أرادوا لصالح يومها أن يكون تابع سياسياً منكسر لما حصل له في 2011 ، لكن الرجل لا يبني أي تحالف دون الخروج بمصلحة ، فترك ملعب السياسة ليخوض الحوثيون والإخوان التصفيات النهائية ، فالجماعتين لا تختلف عن بعضها في مسألة الطموح السياسي واستعداء الدولة .
حصل بعدها ما حصل ، وخرج الإخوان إلى السعودية وقصفوا صالح في منزله ، وشيطنوا موقفه ، برغم أن المؤتمر الشعبي العام لم يصدر موقف تحالف مع الحوثيين لـ 8 أشهر منذ انطلاق عاصفة الحزم ، إلا بمبادرة دعوة لإيقاف الضربات واستئناف حوار الأطراف في موڤمبيك .
ولأن عقيدة الإخوان خاربه ، عبث حزب الإصلاح بدول الجوار ، وأسسوا جيشاً وهمياً في مارب ، وفشلوا تماماً في تحقيق أي انتصار شعبي ، مستعينين بالطيران في محاولة تحقيق مكاسب تآكلت خلال اسابيع بسيطة وباتوا اليوم محاثصرين داخل مديرية في مارب وٱخرى في تعز .
يلوم الإخوان بشكل خاص صالح في كل منعطف فشل يصلون إليه ، ولا يعرفوا سياسات الاعتذار او بناء التحالفات الحقيقية ، برغم ان الاجدر هو مُراجعة السياسات وتقييم المراحل ، والنظر إلى مكامن الخلل .
تدرك قيادة هذا التنظيم فشلها ، لكنها تملك تعبئة عامة لأفراد مندفعين ، وهذا الاندفاع سينقلب من ميزة إلى عيب قريباً ، نتيجة عبث التنظيم بوجوههم ومواقفهم السياسية من يمنيين مثلهم ، فأبسط ناشط منهم اليوم يملك عداوة كبيرة مع قطاع عريض من اليمنيين ، وستنقلب مواقفه ضد تنظيمه الذي فشل وسيفشل في تحقيق مصلحة شخصية له .. نتيجة عدم وجود رؤية وطنية أو وجود اعتبارات لمصلحة المنضوين تحت مظلته.
هُنا لست مُلمعاً لصالح على حساب الإخوان ، بل أحاول أن أشرح رؤيتي الخاصة بصراع المؤتمر و الإصلاح الذي انتهى بنا جميعاً في مستنقع عداوة لا سباق فيه إلا على من يكون الخاسر الأكبر .
لذلك، فإن أمام طارق صالح والمقاومة الوطنية، عبر ما يسمى بالمكتب السياسي، فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً في تاريخ الصراعات ، وهي فرصة للعبور من موقع القوة العسكرية إلى مشروع وطني أوسع، ينتشل الجميع من خرائب الاستقطاب، ويزاوج بين الحسم في الميدان والبناء في السياسة.
فاليمن اليوم يقف على حافة فراغ سياسي كبير، بعد أن تٱكلت قواه التقليدية ، وبات كثيرون ينظرون إلى المؤتمر والإصلاح بوصفهما كيانين أثقلتهما الهزائم والأخطاء وعجزا عن إنتاج أفق جديد .
ولهذا فإن اللحظة لم تعد تحتمل إعادة تدوير القديم ، بل تقتضي ولادة قوة وطنية ، مرنة، قادرة على استيعاب المختلفين من سائر التيارات، لا بوصفهم زوائد مشهد، بل شركاء في ترتيبات جديدة.
قوة تملك من الصلابة العسكرية ما يؤهلها لبلوغ صنعاء، ومن النضج السياسي ما يمكنها من إدارته على قاعدة توازنات جديدة ، لا غدر فيها، ولا أوهام، ولا رواسب ماضي .
لا يجب أن يكون طارق صالح مُجرد جسر عبور إلى صنعاء .. ويجب أن يبني سياسياً لما بعد تلك اللحظة .. لأن اليمن لا ينقصه من يصل العاصمة فقط ، بل من يعرف كيف يمنع سقوطها مرة أخرى !
فهل هناك من يستوعب الدرس ؟