للأسف، يستمر البعض في اجترار قراءات "عاطفية" وسطحية للأزمات النقدية المعقدة، المشكلة في مثل هذا الطرح أنه يقفز مباشرة إلى الاستنتاج قبل التشخيص، ويتعامل مع قضية شديدة التعقيد وكأنها مجرد مسألة نفسية أو سلوكية مرتبطة بالثقة فقط؛ نعم، الثقة عامل مهم، بل ومؤثر، لكن اختزال أزمة السيولة كلها في “أزمة ثقة” أو “سلوك ادخاري” دون فحصٍ علمي وكمّي لطبيعة الاختلال القائم، هو تبسيط مخلّ لا يليق بطرح اقتصادي جاد.
حتى لو افترضنا استعادة الثقة بنسبة 100%، فهل ستكفي الأرقام الدفترية المحبوسة في بنوك تعاني من عجز في "الكاش" لإتمام صفقات السوق؟ الثقة قد تحسن من "تفضيل السيولة"، لكنها لا تخلق وسيط تبادل فيزيائي في اقتصاد "نقدي" بامتياز يفتقر للبنية الرقمية؛ السيولة هي "زيت المحرك"، وإذا جف الزيت، لن تنفع الثقة في منع المحرك من الاحتراق.
كما أن الجزم بأن أي إصدار نقدي سيقود حتمًا للتضخم هو "تبسيط مخل"؛ لأن أثر الإصدار لا يتحدد بمجرد وقوعه، بل بسبب الإصدار، وحجمه، وتوقيته، ووجهة ضخه، ومدى ارتباطه بحاجة الاقتصاد الفعلية إلى النقد، وبالفجوة بين السيولة المتاحة والسيولة المطلوبة للتداول؛ وهناك فرق جوهري بين إصدار تضخمي يُستخدم لتمويل عجز الموازنة أو الإنفاق غير المنتج، وبين إصدار نقدي فني ومدروس يُستخدم لتلبية حاجة السوق لوسيط التبادل، وتعويض الكتلة الورقية المندثرة، وإعادة التوازن للدورة النقدية المنهكة، أو لمعالجة اختناق نقدي يهدد الدورة الاقتصادية بالشلل، في هذه الحالة، الإصدار ليس مسببًا للتضخم، بل هو علاج للانكماش النقدي الذي يشل حركة البيع والشراء.
ومثلما للإصدار التضخمي مخاطر، فإن لعدم الإصدار عند حاجة السوق مخاطر أكبر؛ إذ أن شح السيولة لا يقتصر أثره على تعثر بعض المعاملات، بل يمتد ليصيب جوهر النشاط الاقتصادي بالشلل، فتتعطل عمليات البيع والشراء، وتتراجع حركة التجارة، وتتآكل الثقة بالجهاز المصرفي، وتتوسع السوق غير الرسمية، وترتفع تكاليف المعاملات، ويزداد الاعتماد على أساليب بدائية في التبادل. كما قد تتعطل سلاسل الإمداد، وتتأخر الأجور والمدفوعات، ويتحول الاقتصاد تدريجيًّا إلى اقتصاد اختناقي يعاني من ركود مصحوب باضطراب نقدي، وهو من أخطر أشكال الاختلالات الاقتصادية.
ولهذا، فإن المدخل الصحيح ليس إطلاق الأحكام الانطباعية، بل تشخيص المشكلة أولًا على أسس علمية وعملية ونظرية ومهنية قابلة للقياس والتحقق، وذلك بالاعتماد على الأرقام الرسمية المنشورة، ومن خلال استخدام مداخل معروفة في النظرية النقدية وتحليل السيولة والطلب على النقود وسرعة تداولها وحجم النقد المتداول فعليًا مقارنة بحاجة الاقتصاد. وعندها فقط يمكن معرفة ما إذا كانت الأزمة ناتجة عن اكتناز وتحفظ ومضاربة وفقدان ثقة، أم أنها أزمة سيولة حقيقية وهيكلية، أم أنها مزيج من الأمرين بنسب متفاوتة.
فإن ثبت بالأرقام والمعايير أن المشكلة مفتعلة أو سلوكية بالدرجة الأولى، فحينها يكون التركيز على "صميل الدولة"، وتحسين الاتصال الحكومي، وطمأنة السوق، ومعالجة السلوك الاحترازي، هو المسار الأنسب، أما إذا ثبت أن السوق يعاني فعلًا من فجوة نقدية حقيقية، وأن الكتلة النقدية المتاحة للتداول أقل من حاجة النشاط الاقتصادي، فلا معنى لرفض الإصدار من حيث المبدأ، لأن ذلك سيكون أقرب إلى تعطيل الأداة العلاجية قبل حتى فحص المريض.
المطلوب ليس التهويل من الإصدار ولا تقديسه، وإنما التمييز المهني بين نوعين مختلفين تمامًا: إصدار تضخمي رديء لتغطية عجز الموازنة، وإصدار فني محسوب لتغطية حاجة السوق إلى السيولة؛ الخلط بين الاثنين هو أصل الخطأ، وهو ما يوقع كثيرًا من القراءات السطحية في أحكام عامة تبدو حماسية، لكنها لا تصمد أمام التحليل النقدي الرصين.
من صفحة الكاتب على فيسبوك