آخر تحديث :الثلاثاء-10 مارس 2026-04:42ص

إيران: مرشد غائب وعقيدة عسكرية تدير المشهد

الثلاثاء - 10 مارس 2026 - الساعة 02:12 ص

وائل البدري
بقلم: وائل البدري
- ارشيف الكاتب


لم يظهر مرشد الثورة الإيرانية الجديد علنا مطلقا. ولا مرة واحدة. لا صورة، لا مقطع فيديو، لا بيان، ولا حتى مؤتمر صحفي. لم يظهر في شرفة، ولم يوجه خطابا للأمة من سرير مستشفى. لا شيء على الإطلاق.


عين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى في 8 مارس وقدرت الاستخبارات الإسرائيلية أنه أصيب في غارة جوية خلال الضربات الافتتاحية. طوال حياته، لم يتحدث مجتبى علنا قط، وليس لديه قاعدة شعبية سياسية، ولا يملك سلطة دينية تتجاوز رتبة "حجة الإسلام"، وهي مرتبة أدنى بدرجة واحدة من والده. ومنذ أن عينه "مجلس الخبراء"، فإن الصورة الوحيدة المتداولة له هي "بورتريه" رسمي معد مسبقا.

الآن، يتم تضخيم تقارير القناة 12 الإسرائيلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع مزاعم عن إصابة خطيرة، وبتر في الساق، وأن الزعيم الإيراني الجديد "غير مدرك" لتعيينه من الأساس , نسبة الادراك 5 من 15.


لكن إليكم ما تظهره الأدلة فعليا: كل المصادر الأولية التي يمكن تتبعها (تايمز أوف إسرائيل، واي نت، وهآرتس نقلا عن القناة 12) تحصر التقييم في أنه "أصيب في غارة جوية لكنه نجا".


لم يؤكد أي مصدر إسرائيلي مسمى حدوث بتر، ولا غيبوبة. أما التلفزيون الرسمي الإيراني فقد استخدم كلمة "جانباز" (تضحية/فداء) لوصفه، وهو ما فسرته وسائل إعلام المعارضة في البداية كإشارة لإصابة جديدة، لكن تبين لاحقا أنه لقب تشريفي معتاد لخدمته في الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات.

المزاعم المتطرفة لا تزال غير مؤكدة، لكن الحقائق المؤكدة مدمرة بما يكفي.


📌فرجل لم يخاطب أمته قط، تم تنصيبه مرشدا أعلى خلال أكبر هجوم عسكري على إيران منذ الحرب الإيرانية العراقية.


إنه مصاب، ومتوار عن الأنظار، ولا يملك أي حضور عام كما أن القيادات المتفلتة الـ 31 المستقلة التابعة للحررس الثورري، والتي تدير العمليات العسكرية للبلاد، لا ترفع تقاريرها إليه بل تتبع عقيدة عسكرية تم تفعيلها ليلة مقتل والده.

لقد أطلقوا 3000 صاروخ وطائرة مسيرة في 11 يوما دون أمر مؤكد واحد من مجتبى خامنئي.

إن التعتيم المعلوماتي التام الذي يفرضه النظام حول حالته ليس فشلا في التواصل، بل هو "ميزة" في النظام نفسه. لقد صممت "عقيدة الفسيفساء" (Mosaic doctrine) لتعمل بدون مرشد أعلى. فإذا كان مجتبى واعيا ويصدر الأوامر، فإن العقيدة تعمل. وإذا كان فاقدا للوعي في المستشفى، فإن العقيدة تعمل. وحتى لو كان ميتا والنظام يخفي ذلك، فإن العقيدة تستمر في العمل. لا تحتاج القيادات الـ 31 لمعرفة حالته لأن سلطة إطلاق النار فوضت إليهم مسبقا قبل سقوط القنبلة الأولى.

وهذا ما يجعل الفراغ المعلوماتي أكثر زعزعة للاستقرار من أي نتيجة مؤكدة أخرى. فالموت المؤكد من شأنه أن يفعل آليات الخلافة، والتعافي المؤكد من شأنه أن يعيد تراتبية القيادة، والعجز المؤكد من شأنه أن يجبر مجلس صيانة الدستور على التحرك. أما "عدم تأكيد أي شيء" مجرد صورة بلا شخص خلفها، ولقب بلا صوت، ومرشد قد يكون جريحا، أو يحتضر، أو يمارس مهامه، أو قد لا يكون موجودا ككيان حاكم على الإطلاق فإنه يخلق حالة من الغموض الدائم لا تستطيع أي مؤسسة داخل إيران أو خارجها حلها.


يحتاج سوق إعادة التأمين إلى طرف مقابل للتفاوض على المرور الآمن للسفن. ويحتاج المجتمع الدبلوماسي إلى صاحب قرار للتفاوض على وقف إطلاق النار. ويحتاج الجيش إلى قائد لتخويل خفض التصعيد. الثلاثة جميعا بحاجة إلى "مرشد أعلى" يمكنه التحدث. لكن الصورة لا تتكلم.

إيران تحكم الآن بواسطة "صورة" و"عقيدة" الصورة للديكور، والعقيدة للعمليات. ولا أحد يعرف أيهما هو المرشد الأعلى حقا. وهنا بداية النزاع الداخلي والسقوط