تخيل عالماً يجتمع فيه الناس من كل أنحاء الكرة الأرضية، يحملون قصصهم وذكرياتهم وثقافاتهم، ويبنون معاً شيئاً أكبر من مجرد مدينة أو دولة. هذا واقع يعيشه يومياً سكان الإمارات العربية المتحدة. في هذه الدولة الصغيرة جغرافياً لكن العملاقة طموحاً، يعيش أكثر من 200 جنسية، بما فيها مواطنو دول غير معترف بها رسمياً من الأمم المتحدة. هذا التنوع ليس أرقاماً إحصائية فحسب، بل أساس "الذاكرة الجمعية للعالم" – ذاكرة مشتركة تتشكل من تفاعلات يومية بين شعوب متنوعة، ظاهرة نادرة في العالم. سنستعرض كيف تتشكل هذه الذاكرة، وكيف حولت الإمارات التنوع إلى قوة استراتيجية، مع نظرة إلى تأثيره على الأجيال القادمة.
الذاكرة الجمعية ليست تذكراً فردياً، بل روايات مشتركة يبنيها المجتمع عبر التفاعلات الاجتماعية في مكان واحد. فكر فيها كشبكة خيوط متشابكة يساهم كل فرد بقطعة من اللغز. في الإمارات،
ما يميز هذا التنوع قدرته على خلق ذاكرة عابرة للحدود. في أسواق دبي أو أبوظبي، يلتقي التاجر الهندي بالمهندس المصري والطباخ الفلبيني، يتبادلون قصص الأعياد والحياة اليومية. عندما يحتفل الجميع بعيد الديوالي أو رمضان معاً، تتشكل ذكريات مشتركة تجمع الثقافات. هذا نادر، إذ غالباً ما يولد التنوع صراعات في دول أخرى، لكن سياسات الإمارات – كقوانين التسامح والتعليم المشترك – تحول التنوع إلى قوة موحدة، تخلق "ذاكرة عالمية" مصغرة يشعر فيها الجميع بأنه جزء من شيء أكبر.
كيف تستفيد الإمارات؟ اقتصادياً، التنوع وقود للابتكار. شركة في دبي تجمع مهندسين صينيين ومصممين أوروبيين ومستثمرين أمريكيين تولد أفكاراً فريدة. انخفض اعتماد الاقتصاد على النفط إلى أقل من 23% في فترات حديثة، وارتفع القطاع غير النفطي إلى أكثر من 77%، مدفوعاً بالتجارة والسياحة والتصنيع. مناطق حرة كجبل علي تجذب مليارات سنوياً لأن السكان يفهمون أسواق بعضهم جيداً.
ثقافياً، يصبح التنوع أداة دبلوماسية ناعمة. معرض إكسبو 2020 جمع ملايين الزوار، ومتحف اللوفر أبوظبي يعرض حضارات العالم. هذه المبادرات تبني صورة الإمارات كمركز تسامح وحوار، جسر بين الشرق والغرب. حتى الرياضة – كالفورمولا وان وبطولات التنس – تعزز نفوذها الثقافي.
دبلوماسياً، يمنح التنوع ميزة كبيرة: السكان الأجانب سفراء غير رسميين ينقلون صورة إيجابية إلى بلدانهم، يساعدون في بناء تحالفات في الطاقة المتجددة والصحة.
خلال كورونا، أصبحت الإمارات مركز توزيع لقاحات بفضل شبكتها العالمية. وفي الشرق الأوسط، تقدم نفسها كنموذج سلام يقلل الانتقادات ويعزز دورها كوسيط.
الفائدة الأعمق تظهر في الأجيال القادمة. الأطفال والشباب – مواطنون وأبناء مقيمين – ينشأون في بيئة تجعل التعددية طبيعية. في المدارس، يجلس طلاب من عشرات الجنسيات في فصل واحد، يتعلمون الاحترام والتعاون مبكراً. برامج التسامح في المناهج تبني جيلاً يرى الاختلاف إثراءً لا تهديداً. هؤلاء سيحملون ذاكرة جمعية غنية تجعلهم أكثر انفتاحاً، وقدرة على حل النزاعات وبناء شراكات. في المستقبل، سيصبحون حاملي رواية أن التعايش ممكن والتنوع يقوي. هكذا تبني الإمارات مجتمعاً متماسكاً مستداماً، نموذجاً عالمياً للغد.
في النهاية، التنوع ليس مصادفة بل استراتيجية حولت الإمارات إلى قوة عالمية.
#Intisar_ALsanhoury
من صفحة الكاتب على موقع إكس