لا تُقاس قوة الدول بحجم ما يتردد في إعلامها، بل بقدرتها على تحويل الموارد إلى نتائج، والطموح إلى استقرار، والنفوذ إلى قيمة مضافة. حين تنتفخ الدولة سياسياً ورمزياً أسرع من قدرتها على البناء الداخلي، يبدأ الخلل بالظهور لا في الخطاب، بل في التوازن.
في هذا النموذج، تتضخم الصورة العامة: مشاريع كبرى، تصريحات عالية السقف، وحضور صاخب في كل ملف. لكن تحت هذا الغلاف، يتباطأ الإيقاع الحقيقي. الاقتصاد يُرهق بالالتزامات، المجتمع يُدفع إلى التكيّف بدل المشاركة، والسياسة تُدار بردود الفعل أكثر مما تُدار برؤية طويلة النفس. الانتفاخ هنا ليس دليلاً على القوة، بل قصور يُراد حجبه وصورة باهتة يُراد تلميعها ..
المشكلة أن الدولة المنتفخة تُراكم التوقعات بسرعة تفوق قدرتها على الإيفاء. كل خطوة تُسوَّق كتحول تاريخي، وكل مبادرة تُقدم كقفزة نهائية، فيصبح التراجع الطبيعي خسارة مضاعفة. ومع الوقت، يتحول الخطاب إلى عبء، لأن الواقع لا يستطيع اللحاق به.
القوة المستدامة لا تحتاج إلى تضخيم مستمر، بل إلى اتساق هادئ بين ما يُعلن وما يتحقق. أما حين تتسع الفجوة، فإن الانتفاخ لا يحجب الضعف، بل يكشفه.