آخر تحديث :الجمعة-23 يناير 2026-11:37م

ميون .. الجزيرة التي تجاذبتها الأكاذيب قبل أن يكتبها الواقع

الجمعة - 23 يناير 2026 - الساعة 09:54 م

عادل علي الهرش
بقلم: عادل علي الهرش
- ارشيف الكاتب


لم تكن ميون يومًا مجرد يابسةٍ عابرةٍ تتوسط الأمواج، بل هي عقدة الجغرافيا الاستراتيجية، والشاهدة الأزلية على صراع القوى في مضيق باب المندب. لكنها، في برهةٍ من الزمن، تحولت من صمت الجغرافيا إلى بطلة روايةٍ ضاجةٍ بالصخب، حِيكت فصولها في الخارج قبل أن تتسلل إلى الوعي المحلي كـ«اكتشافٍ سيادي» متأخر، أشبه بكنزٍ عُثر عليه فجأةً في ركام بيتٍ قديم.


بدأت الحكاية في مايو 2021، حين أطلقت تقارير دولية مدعومة بصور الأقمار الصناعية شرارة الحديث عن مدرجٍ جوي يُشاد في قلب المضيق. وفي تلك اللحظة التي بلغت فيها الاستقطابات السياسية ذروتها، تحوّل التساؤل المهني سريعًا إلى خطابٍ تعبوي يتحدث عن «قواعد سرية» و«سيادة منتهكة»، حتى بدا للمواطن العادي أن بلده يُستهدف في أثمن جغرافيته. ومع تصاعد الضجيج، انخرطت المؤسسات التشريعية في هذا السياق، لا كباحثٍ هادئٍ عن الحقيقة، بل كطرفٍ يستجيب لضغط الانفعال العام، وكأن اليمن بُوغت بتفاصيل أرضه، رغم أن المنطقة تُعد من أكثر الممرات المائية خضوعًا للرقابة الدولية في العالم.


خلف هذا التجييش، كانت هناك حقيقة لا تتغير؛ فميون ليست جزيرةً منسية يمكن أن يحدث فيها شيءٌ كبير في الظل، بل منطقة تمر عبرها عشرات الآلاف من السفن سنويًا، وتغشاها عيون الأقمار الصناعية بلا انقطاع.


والأكثر إثارة للتأمل هو انتقائية الرواية السياسية؛ ففي الوقت الذي كان فيه الحوثيون يتمركزون في الجزيرة لزرع الألغام وتهديد الملاحة، غابت شعارات السيادة، ولم تُقدَّم القضية كأولوية وطنية، لأن الملف حينها لم يكن قابلًا للاستثمار في لعبة التوازنات.


ومع مرور الأعوام، بدأت سحب الغموض تتبدد حين دخلت الكاميرات الميدانية إلى قلب الجزيرة، لتنقل عبر تقارير قناتي «العربية» و«الحدث» صورًا واقعية لذلك المدرج الذي وُصف يومًا بالغامض. ظهرت قوات التحالف، والمقاومة الوطنية، وخفر السواحل اليمني في مهام علنية واضحة، تهدف إلى تأمين خطوط التجارة، ومكافحة التهريب، وحماية الممر الدولي، لتسقط مع هذه المشاهد فرضية «المشاريع السرية».


لقد استعادت ميون معناها الفعلي كجزءٍ من منظومةٍ أمنيةٍ تمنع الفوضى في البحر، وتحولت من مساحةٍ لتبادل الاتهامات إلى شاهدٍ صامتٍ على كيفية صناعة السرديات وتضخيمها لخدمة خصوماتٍ تتجاوز حدود الجغرافيا. ففي النهاية، تسقط الروايات المصطنعة عندما تُختبر على الأرض، وتبقى الحقيقة كما ترسمها التوازنات الدولية.