آخر تحديث :الثلاثاء-20 يناير 2026-12:13ص

مقاربة في الأزمة اليمنية من وحي مستجدات الأحداث

الإثنين - 19 يناير 2026 - الساعة 10:19 م

عبدالستار سيف الشميري
بقلم: عبدالستار سيف الشميري
- ارشيف الكاتب


في اللحظة اليمنية الراهنة، لا يمكن مقاربة المشهد اليمني

ووضع الحوثية والشرعية والجنوب

بمعزل عن سياقين متوازيين يتآكلان في الوقت نفسه..

هذه لحظة يمكن تسميتها بتوازن الضعف..

اولا هناك تراجع للدور الإيراني بوصفه الراعي الإقليمي الأهم للحوثية، وضعف الشرعية اليمنية بوصفها الخصم المفترض ومشروع الدولة المؤجل...

وبين هذين الضعفين، لا تقف الحوثية بوصفها قوة منتصرة بقدر ما تقف كقوة نجت من السقوط، وهذا الفارق الجوهري بين النصر والنجاة هو ما يحدد مآلات المشهد برمّته. فالنصر يفتح أفق الدولة، أما النجاة فلا تمنح سوى حق البقاء المؤقت داخل فراغ سياسي واسع..

إيران التي كانت تُقرأ طويلًا باعتبارها العقل الاستراتيجي العميق للمشروع الحوثي وقوته العسكرية الداعمة، لم تعد اليوم في موقع الدفع والتوسّع، بل في موقع إدارة الخسائر وترتيب الأولويات. ضعفها لا يعني انسحابها الكامل، لكنه يعني تحوّل علاقتها بالحوثية من علاقة مشروع إلى علاقة ورقة والورقة تُستخدم حينًا وتُجمّد حينًا آخر، لكنها لا تُبنى عليها دولة ولا يُستثمر فيها مستقبل، هذا التحوّل يضع الحوثية أمام مأزق غير مسبوق.. سلطة نشأت على فكرة الحرب الدائمة تجد نفسها مضطرة للتعايش مع زمن التسويات الباردة، لا بوصفها شريكًا كاملًا بل كحالة أمر واقع يُراد تحييدها لا تمكينها...

في المقابل، تبدو الشرعية اليمنية قد فقدت قدرتها على الفعل العسكري وربما بتوصيف ادق أصبحت حجة أخلاقية تُستدعى عند الحاجة، أو غطاءً قانونيًا لتوازنات إقليمية لا تصنعها هي،

واصبحت كيان موزع بين العواصم،

عاجزة عن فرض نفسها كطرف قادر على خوض معركة سلام أو حرب،

ومن هذا الضعف في الأطراف ربما تتفتق في هذا الفراغ تحديدًا، ملامح تسوية منقوصة، لا تُبنى على حسم ولا على عدالة،


الجميع مرهق ،والمجتمع الدولي، والإقليم من خلفه، لا يبدو

انهم راغبين في عمل عسكري حاسم، لا ضد الحوثية لصالح الشرعية، ليس بدافع أخلاقي أو إنساني، بل لأن كلفة الحسم باتت أعلى من كلفة إدارة الصراع...


المطلوب اليوم ليس يمنًا مستقرًا بشرعية واحدة وجيش واحد بقدر ما هو يمن غير مزعج لا يهدد الملاحة، ولا يفجّر الإقليم، ولا يستدعي تدخلاً مباشرًا...

ومن هنا، فإن أي تسوية محتملة ستكون أقرب إلى تجميد ذكي للصراع منها إلى حل جذري له.

ضمن هذا المشهد، تبرز الحوثية ككيان بلا أفق تاريخي واضح. فهي لم تعد حركة احتجاج، ولم تتحوّل إلى دولة، ولم تعد مجرد ذراع خارجية، إنها سلطة تملك أدوات القهر ولا تملك معنى الحكم، تدير المجتمع بالخوف أكثر مما تديره بالعقد، وتستند إلى السلاح أكثر مما تستند إلى الرضا. ضعف إيران يسحب منها الوهم الإمبراطوري، لكنه لا يسقطها،

وفي الضفة الأخرى من الجغرافيا، يتقدّم الجنوب بوصفه الكيان الذي يريد التماسك في زمن التشظي ليس لأنه بلا أزمات أو تناقضات، بل لأنه يمتلك ما يفتقده غيره سردية واضحة، حتى وإن اختلفت مكوناته في التفاصيل. الجنوب ليس دولة مكتملة، لكنه أقرب الكيانات اليمنية اليوم إلى فكرة التماسك، من حيث انتظام القوة والمعنى والقضية ،

ومع ذلك، يظل هذا التماسك معلقًا في فضاء رمادي،


وهنا يتبلور السؤال الجوهري هل نحن أمام تسوية ستقود إلى دولة كاملة في الأفق؟

الواقع يشير بوضوح إلى النفي. فالدولة تحتاج مركزًا شرعيًا متفقًا عليه، واحتكارًا للعنف، وعقدًا اجتماعيًا جامعًا، ورؤية للمستقبل. هذه الشروط لا تتوافر كاملة لدى الحوثية، ولا لدى الشرعية، ولا حتى لدى الجنوب، وإن بدرجات مختلفة. ما يتشكّل بدلًا عن ذلك هو مشهد كيانات وظيفية سلطة في صنعاء تُدار بمنطق الأمر الواقع، وشرعية تُستدعى عند الحاجة، وجنوب ينتظر لحظة الاعتراف أو يصنعها بالتراكم البطيء...

في ظل هذا كله، تبدو التسوية القادمة إن كُتب لها أن ترى النور تسوية ناقصة بالضرورة، بلا عدالة انتقالية حقيقية، وبلا معالجة جذرية لسؤال الهوية الوطنية، وبلا دولة موحدة قادرة على فرض سيادتها. إنها تسوية تُرضي الخارج أكثر مما تُنقذ الداخل، وتُبقي اليمن معلقًا في برزخ سياسي طويل، لا حرب تُحسم ولا سلام يُنجز.

سيظل اليمن يدور في هذه الحلقة القاسية، لا منتصر فيها ولا مهزوم، وشعب كامل يدفع ثمن انتظار لم يُحسم بعد. إلى أمد ربما بعيد..

#الشبزي

..