في الوقت الذي يواجه فيه اليمن، دولة وشعباً، أزمات وتحديات متعددة تهدد وجوده السياسي والاجتماعي والثقافي، تأتي مشاركة اليمنيين بفعالية «انسجام عالمي»، في عاصمة المملكة العربية السعودية الرياض، بوصفها فرصة لإحياء جزء مهم من هويتهم الوطنية وتعزيز حضورهم الإيجابي على الساحة الثقافية الدولية.
وبينما تمضي جماعة الحوثي في تنفيذ ما يُوصف بـ«الإبادة الثقافية»، يأتي هذا الحدث بوصفه نافذة استثنائية تمنح اليمنيين فرصة للتذكير بالوجه المشرق لليمن، بعدما تعوّدت وسائل الإعلام الدولية والإقليمية والمحلية على نشر بيانات العزاء وبث أخبار الدمار والموت.
في 18 يوليو (تموز) الماضي، قدّمت ورقة عن «الإبادة الثقافية في اليمن»، ضمن فعاليات «اليوم الثقافي اليمني» التي نظّمتها الجمعية اليمنية للثقافة والاندماج في مدينة سالزبورغ بالنمسا. يومها قلت لمن نظموا الفعالية إن الاحتفاء بثقافة اليمنيين وفنهم وموروثهم، ليس مجرد عملية ترفيهية، بل شكل من أشكال المقاومة المجتمعية، لا سيما أن اليمنيين يتعرضون لجريمة «الإبادة الثقافية»، بهدف فرض معتقدات وقيم ثقافية دخيلة على اليمن واليمنيين، فالحرب لم تعد عسكرية فقط، بل تمتد إلى مستويات متعددة، من أبرزها الحرب الثقافية.
إلى جانب المقاومة المجتمعية لجريمة الإبادة الثقافية، يمكن تأكيد أن مشاركة اليمن في فعالية تقيمها المملكة العربية السعودية مثل «انسجام عالمي» تمنحه نافذة لإظهار هويته بعيداً عن صورة الحرب والمجاعة والدمار، وفرصة للعودة إلى المشهد الإقليمي من خلال إظهار حضارة اليمنيين وتراثهم وفنهم وإبداعاتهم وتنوعهم، لا سيما بعدما اختزل الإعلام الدولي اليمن في الحرب والفقر والإرهاب الحوثي.
على المستوى الوطني، مثل هذه المشاركات تُسهم في تعزيز الشعور بالهوية الواحدة والاعتزاز بالثراء الثقافي، فعندما يرى اليمني بلاده ممثلة في فعالية عالمية بهذا المستوى المرموق إلى جانب العديد من دول العالم، يتعمّق في داخله شعور الانتماء للوطن، ويتعزّز لديه الإحساس بالثقة، ويتراجع الإحباط الذي تولّد لدى كثير من اليمنيين، نتيجة شعورهم بأن وطنهم منسي ويتجاهله الجميع.
وفي الوقت الذي تحرص فيه جماعة الحوثي الإرهابية على تقديم اليمنيين بوصفهم أدوات للحرب والعنف ومجرد وسائل لترهيب العالم وتهديده، تأتي هذه الفعاليات لتكشف الجانب المشرق والبديع للإنسان اليمني، ولتقدمه كما هو في حقيقته... مبدعاً، ومحباً للحياة، وصاحب حضارة ضاربة في التاريخ.
هذه الفعاليات أيضاً فرصة ثمينة للفنانين والمبدعين اليمنيين الذين تضرروا مثل بقية فئات الشعب جراء الحرب، حيث يُقدّم إبداعهم إلى اليمنيين والمجتمعات الإقليمية والدولية، وهذا يساعدهم على إبرام اتفاقيات مع مؤسسات سعودية وخليجية، ويمنحهم فرصاً لتنفيذ أعمال مستقبلية تعزّز انتشارهم ووصولهم للناس، مما ينعكس إيجابياً على المشهد الثقافي اليمني بشكل عام.
ولا يقتصر أثر هذه الفعاليات على الداخل اليمني فحسب، بل يمتد أيضاً إلى اليمنيين في الخارج. فهي تُسهم في الارتقاء بصورة اليمني الذي يعيش بعيداً عن وطنه، بعد سنوات جرى فيها اختزاله في صورة العامل الكادح فحسب، فهي تكشف عن الجانب الآخر من شخصية اليمني الأصيل وثقافته وإبداعه وحضارته العريقة. هذا الوعي المتبادل يعزّز مساحات الود والاحترام بين الشعبَيْن اليمني والسعودي، ويُفشل محاولات أولئك الذين يسعون لإشعال الفتنة خدمة لأطماعهم السياسية.
خلاصة القول، أن مشاركة اليمن في فعالية «انسجام عالمي» تتجاوز مجرد تقديم الفن والرقصات الشعبية والعروض التراثية، لتصبح فعلاً من أفعال المجابهة الثقافية، ودعم الهوية الوطنية، وإحياء الوعي في سبيل مواجهة الشعارات الكهنوتية والرجعية، وتشكّل فرصة لما يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية الثقافية» والتواصل مع المجتمعات الأخرى، وتقوّض محاولات صناعة الكراهية ونشر الأحقاد.
وفي ضوء أهمية حماية الهوية الثقافية اليمنية ومواجهة محاولات طمسها، نتوجه بخالص الشكر إلى الإخوة في وزارة الإعلام السعودي، ممثلة في وزير الإعلام الأستاذ سلمان بن يوسف الدوسري، على منح اليمنيين هذه الفرصة الثمينة، ونتطلّع إلى استمرار مثل هذه المبادرات وتوسيعها، بما يُسهم في إحباط دسائس دعاة الحرب وأعداء السلام في اليمن وخارجه.
نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط