آخر تحديث :الخميس-18 يوليه 2024-08:22ص

ذكرياتي مع بيت الحكمة العباسي والدكتور الاعسم

الجمعة - 21 يونيو 2024 - الساعة 01:59 ص

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


المفكر  العراقي عبدالأمير الأعسم الذي توفى في قبل سنوات عرفته حينما كنت طالبا للدراسات العليا ( دكتوراه) في كلية الآداب بجامعة بغداد. إذ أخبرتنا رئيسة قسم الفلسفة الاستاذة الدكتور سهيلة عباس أن مركز الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة العباسي ارسل دعوة إلى قسم الفلسفة لحضور المؤتمر الدولي الأولى للفلسفة العربية.سألت صديقي وزميلي العزيز الدكتور طارق الدليمي أين يقع بيت الحكمة العباسي فقال لي بدك تحضر المؤتمر قلت له نعم! كانت العلاقة بين قسم الفلسفة في جامعة بغداد ومركز الدارسات الفلسفية في بيت الحكمة العباسي سلبية جدا ولا اعرف الأسباب الخفية لتلك القطيعة التي كانت ولست معنيا بها. بالنسبة لي زيارة الحكمة العباسي كانت هدفًا من أهدافي ولن اتركها تضيع مني. وكان الدكتور طارق خير مخفرًا لذلك أخذني بسيارته الحمراء وعرفني على الدكتور عبدالامير الذي استقبلنا في مكتبه الوثير وكانت سكرتيرته طالبة ماجستير في القسم يعرفها طارق. الدكتور عبد الامير رحب بقدومي وسألني عن اليمن وعند الدكتور المرحوم فيصل عبدالرحمن هائل. كان رحمة الله عليه الوحيد من جامعة عدن الذي يعرفه الدكتور عبدالأمير فضلا عن الدكتور عبدالله الفلاحي من جامعة أب والدكتور المرحوم حسين من جامعة صنعاء. اتذكر أنه كلفني بالتواصل مع الدكتور فيصل لغرض حضور المؤتمر. وانا فعلت وتواصلت بالتلفون وتعبت في التنسق بينهما. على كل حال جاء الدكتور فيصل وسكن في فندق الرشيد وانا استقبلته وحضرنا المؤتمر وقدمت ورقة في الفكر العربي
بعنوان" ناصيف نصار وطريق الاستقلال الفلسفي؟ كانت فرصة طيبة بالنسبة لي تعرفت فيها على كبار الفلاسفة العرب من مختلف البلدان ومنهم الفيلسوف محمد المصباحي مطاع الصفدي وطه عبدالرحمن ونصيف نصار وحسن حنفي من المغرب والدكتور حسن العبيدي وقد كنت مدعوا إلى المؤتمر الفلسفي الثالث المكرس لدراسة آفاق العلاقة بين العرب والعالم وكتبت ملخصا عن الاستشراق وجدل الذات والأخر ولكن حالت الأزمة ونشوب حرب الخليج الثانية واجتياح العراق دون انعقاده.

وقد كانت تلك المشاركات بتحفيز من الأستاذ الراحل عبد الأمير الأعسم في بيت الحكمة العباسي بالنسبة لي فرصة لا تعوض للتعلم من المشتغلين في المجال والتغذية الراجعة إذ ادركت أنه كلما قل احتكاك الأشخاص المتعلمين تعليما عالياً بأشباههم من ذات الاختصاص، كلما زاد جهلهم بذواتهم وبالآخرين. والآخر مرآة الذات، واكتشاف المحجوب عن الذات يمر عبر الاحتكاك بالآخر، ولا سبيل للمرء في معرفة حقيقة ذاته وقدراته وعلمه ومعارفه ومعتقداته الإ بالاحتكاك بالآخرين ومعرفتهم والحوار معهم والاستماع اليهم وفهم ما لديهم في سياق مقارن بما توفره التغذية الراجعة الواعية أو غير الواعية من حصيلة منتجة. من هنا يأتي حرص الجامعات والمراكز العلمية الأكاديمية على تنظيم المؤتمرات والندوات والملتقيات العلمية الدورية في مختلف فروع المعرفة والاختصاصات العلمية بما يمنح كل أساتذة الجامعة وطلاب الدراسات العليا والباحثين فرص كافية للمشاركة الفاعلة وقد كنت اعتقد قبل المشاركة في المؤتمر الفلسفي الأول عن فلسفة التربية وإنسان الغد بتاريخ ٢٠ مارس ٢٠٠١م  بأنني قد حزت العلم كله وأن ورقتي بالمؤتمر ستكون كلمة الفصل في الفكر الفلسفي وستدهش الجميع إذ كنت نافشا ريشي على الآخر ! واشتريت بدلة جديدة من القماش الراقي يالسعدون وكنت أمشي بخطى متثاقلة، مزهوا بنفسي كالطاووس! وما أن جاء دوري للصعود الى المنصة وقراءة ورقتي. قرأتها أمام نخبة من المفكرين والعلماء والأساتذة المخضرمين الذين لديهم بالعلم والفكر باع طويل أمثال: مطاع الصفدي وناصيف نصار ومحمد المصباحي وحسام الدين الالوسي وحسن حنفي وعبد الأمير الأعسم وطه عبدالرحمن والسيدة جاكلين من لبنان وعلي حسين الجابري وحسن عبيد المجيدي وغيرهم من الأساتذة الكبار الذين تمتلى المكتبات العربية والأجنبية بمؤلفاتهم الفكرية . أقول ما أن سمح لي بقراءة ورقتي حتى شعرت بالارتباك والتلعثم وكدت أذوب عرقاً. أحسست وانّا انظر الى وجوه الحاضرين بالقاعة بقلة حيلتي وضالة ما لدي من معرفة عن الموضوع الذي أتكلم عنه. إذ كانت تلك التجربة هي الأولى في حياتي التي تتواجه فيها ذاتي مع اصحاب الصنعة من الآخرين. إذ لا أنسى ما حييت تلك اللحظة المحرجة التي مررت بها وأنا قاعد بجانب المفكر العربي الكبير مطاع الصفدي استاذ الفكر العربي بجامعة السوربون بفرنسا رئيس الجلسة وهو يرمقني بنظره! وكان على يمينه الزميل  الدكتور على المرهج استاذ الفلسفة في جامعة المستنصرية وتعلمت منها الشيء الكثير حيث انكشف الوهم الذي كان لدي عن ذاتي، ومن حينها وأنا أتعلم من كل فرصة احتكاك مماثلة في تنمية ذاتي والتخلص من أوهامها الغبية.
كان قسم الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة العباسي بإدارة الدكتور عبد الأمير الأعسم زاخرا بالنشاط والانجاز وقد ظل كذلك حتى سقوط بغداد وبعد أن تدهور الوضع في العراق قدم الدكتور عبدالأمير الأعسم إلى جامعة عدن  فاسعدني حضوره وكانت لنا أيام جميلة في عدن. ولكن جامعة عدن في زمن حبتور وهو صديقه أنتهت التعاقد معه بشكل مفاجئ لدواعي سريه ليست أكاديمية للأسف الشديد.  فاضطر إلى الرحيل مع زوجته الجديدة الدكتورة فايزة تومان الشمري إلى سوريا وحينما علمت بوفاته صدمت بهذا الف رحمة ونور تغشاه كان محفزنا للباحثين الشباب رغم نزعته الدكتاتورية وفي عدن أراز لي أبحاث الاستاذ المشارك ومنها العلاقة بين الدين والفلسفة وفلسفة التاريخ عند ابن خلدون ولازلت اتذكر كلمته لي بعد قراءتهما قال لي: قاسم أنت عقلك أكبر من علمك وذكر زميل يمني أخر قال أن علمه أكبر من عقله! ولم أعرفه هل كان يذمني أم يمدحني؟! والجواب عند الدكتورة فائرة حافظة أسراره . كان مفكرا من العيار الثقيل ولكن مشكلته أن حسب على صدام حسين رحمة الله عليهما واليكم لمحة من سيرة حياته بقلم الدكتورة الوفية فائزة

  الدكتور عبدالأمير الأعسم  في النجف سنة 1940، و نشأ وتعلم في بغداد (1941 -  1958)؛ فمارس التعليم (في المدة ما بين 1959 – 1968) وحصل على بكالوريوس  في علوم اللغة العربية و آدابها / بغداد (1968). فقدم لجامعة كمبردج،  فأنتسب إلى كلية فتز وليام في الأول من تشرين أول 1968، وامتدت دراسته في  جامعة كمبردج حتى ظفر بالدكتوراه في 5 آب 1972.

رجع إلى العراق، فـَـعُـيّـن مدرساً في قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة بغداد في 22 أيلول 1972، بعدها رُقّـي إلى مرتبة أستاذ مساعد في 1976؛ ثم الى أستاذ سنة 1982؛ فكانت سيرته الأكاديمية الأولى في جامعة بغداد التي منحته إجازة تفرغ علمي للسنة الأكاديمية 1977 – 1978 ليكون استاذا متفرغا في جامعتي كمبردج و أكسفورد، كما كان
أستاذاً زائراً في جامعة باريس الرابعة – السوربون (ربيع 1978).
            في الأول من أيلول 1989 عين عميداً لكلية العلوم الإسلامية في جامعة الكوفة، التي بقي فيها سنتين، ثم عين عميداً لكلية الآداب في الجامعة نفسها في الأول من أيلول 1991، فاستمر فيها حتى 14 كانون أول 1994، عندما نقل إلى جامعة بغداد ليشغل منصب أستاذ تاريخ الفلسفة ومناهج البحث في كلية التربية / ابن رشد، و بقي فيها عامين حتى انتخب عميداً لقسم الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة في 15 كانون أول 1996، فترأس قسم الدراسات الفلسفية على مدى سبع سنوات؛ لكنه ترك عمله بعد 21 آذار 2003، حاصلاً على إجازة طويلة (بدون راتب) خارج العراق، كأستاذ زائر (2003 – 2004) ثم أستاذ كرسي للفلسفة و المنظق في جامعة عدن (2004 –2006).
               قام عبدالأمير الأعسم في بيت الحكمة (1996 – 2003)  بنشر و تحرير العديد من الكتب الفلسفية، وقدّم لبعضها الآخر، لكن قوة سيرته العلمية في بيت الحكمة كانت تنصب على إصداره مجلة دراسات فلسفية (صدرت على مدى 4 سنوات 1999 – 2002) بأربع مجلدات (=16 عدداً)، فكانت أوسع مجلة فلسفية تصدر في العراق.
             كما انه دعا و رأس المؤتمرات الفلسفية العربية في بيت الحكمة (الأول 2000، والثاني 2001، والثالث 2002، والرابع 2003)، كما عقد العديد من الندوات ما بين 1997 – 2002 ، وكذلك أسس الاتحاد الفلسفي العربي  في بغداد في آذار 2001، فأنتخب رئيساً للاتحاد لمدة ثلاثة سنوات 2001 – 2004؛ وكذلك أسس جمعية العراق الفلسفية 1991 (فانتخب رئيسا لأربع دورات)1992 ، 1995، 1998، 2001 وتركها سنة 2003. كما انتخب نائبا لرئيس الجمعية الفلسفية العربية في عمان 1998، ونائبا لرئيس المجلس الأعلى للجمعيات العلمية في العراق لدورتين 1997  و 2000.
               نشر أكثر من عشرين كتاباً (مؤلفاً و محققاً) ما بين 1974 – 2003، كما راجع محرراً و مقدماً لخمس كتب مترجمة إلى العربية، و عشرة كتب أخرى نشرت بالعربية أصلا. كذلك نشر أكثر من مئة بحث (في المجلات و الدوريات العربية و الأجنبية)، و ثلاثين مقالة (في الموسوعات )1995 – 2005. كذلك أشرف خلال سيرته الأكاديمية (1972-2003) في العراق على العديد من رسائل الماجستير و أطاريح الدكتوراه، علاوة على مناقشات رسائل و أطاريح كثيرة، كما اختير محكماً لدرجات الدكتوراه وما بعد الدكتوراه في جامعات بغداد والكوفة (1979 – 2002). وقد انتشر طلابه في الدراسات العليا في العراق والأردن وسوريا و لبنان و الجزائر وتونس والسودان واليمن. لهذا السبب و غيره ، وجد الأعسم تقديراً عالياً من زملائه في العالم العربي، علاوة على أنه نشر كتبه المطبوعة (1973 - 2019) في بغداد، بيروت، باريس، تونس، الجزائر ،عمان ، دمشق والقاهرة. لذلك، نجده معروفا مشهوراً بين المشتغلين بتاريخ الفلسفة من العرب.
             فكر عبدالأميرالأعسم ُيظهره بجلاء في كتبه واحداً من المفكرين العرب المعاصرين الذين يدعون الى إعادة كتابة تاريخ الفلسفة العربية، وإعادة قراءة النصوص الفلسفية العربية، واعادة تقويم الفلاسفة العرب ، انطلاقا من حاجات العصر. وهذه المهمة تهدف، تبعاً له، إلى تأسيس فلسفة عربية معاصرة والتي يجب، برأيه، أن تكون بعيدة عن افتراضات المستشرقين (والمستعربين) . ومن هنا قدم ابحاثا في الاستشراق الفلسفي و كيفية اعتماده كمرجعية لتأصيل الدرس الفلسفي لتسوية الاختلاف و الائتلاف بين الموروث و الوافد من جهة، و ترصين العلاقة بين العقل العربي و العقل الأوروبي من جهة اخرى. كما انه نشر أبحاثا في ابن رشد بحسبانه نموذجا حيويا للفلسفة العربية، و تتمثل فيه من ناحية المنهج  خصائص و مقومات بناء الفلسفة العربية المعاصرة.

إن علاقات الأعسم مع الفلاسفة العرب المعاصرين واسعة في الأنشطة، وضخمة في تكوين اتجاه جديد لآرائه في مستقبل الفلسفة في العالم العربي. وبناء عليه، ُقـّيم كواحد من المفكرين العرب الموصوفين بالفكر التنويري الحر. ومن أصدقائه:  حسن حنفي وزينب الخضيري ومصطفى النشار ومصطفى لبيب (مصر)، محمد المصباحي ، وطه عبد الرحمن (المغرب)، فتحي التريكي، و عبد القادر بشتة ، و عبد الرحمن التليلي (تونس)، أحمد ماضي، و هشام غصيب (الأردن)، ماجد فخري ،و ناصيف نصار، وعلي زيعور(لبنان) وأدونيس و أحمد برقاوي ويوسف سلامة (سورية). وعلى المستوى الغربي عرف الأساتذة : آربري ، و اروين روزنثال ، و أم. سي. لاينز (من كمبردج)، ورتشالد فالزر ، و ماك-آرثي، و فريدريك زمرمان (من اوكسفورد)، و جوزف فان أس (من توبنكن)، و روجيه أرنالديز، و دي بوركي، و شارل بيللا (من السوربون/باريس)، ومحسن مهدي (من هارفارد) ، و جوزب بويج مونتادا (من مدريد). وكانت لديه حظوة عند المفكر عبد الرحمن بدوي، وعلى سامي النشار ، وأميرة حلمي مطر .
          لقد كان يخطط (رحمه الله) لنشر كتب عن سيرته الفلسفية ، وفلسفته الخاصة، و سيرته السياسية (1958 – 2003) التي توضّح الموقف الأيديولوجي الذي اعتقده لزمان طويل و كيف اكتشف مؤخراً بأن الفكر الفلسفي العربي قد زيّف وانتحل خلال منحنيات الفكر السياسي المعاصر في العالم العربي.
        وأخيرا، فإنه استطاع أن يؤسس الاتحاد الفلسفي العربي ويرأسه في دورته الأولى 2001-2004، وقد انتخب في المؤتمر الفلسفي العربي الخامس في 16 كانون أول 2004  في طرابلس (لبنان) من قبل الجمعية العمومية للاتحاد ، الرئيس الفخري للاتحاد الفلسفي العربي مدى الحياة.