لم تكتفِ مليشيات الحوثي بتجريف مؤسسات الدولة اليمنية منذ انقلابها أواخر 2014، وإنما عمدت لإحلال "منظومات ظل" تدير المشهد من خلف الستار.
إحدى هذه المنظومات "القضاء الموازي"، والذي لم يعد أداة لفض النزاعات، وإنما ذراعا أمنية وسياسية تستهدف شرعنة مصادرة الأموال والنهب، وتصفية الخصوم، وتثبيت ركائز السيطرة والنفوذ شمال اليمن.
وكانت مليشيات الحوثي قد عمدت إلى تفكيك المنظومة القضائية الرسمية للبلاد، وأحلت كيانات قضائية موازية وهجينة تتداخل فيها الولاءات العقائدية مع مراكز النفوذ المالي والأمني داخل أجنحة الجماعة.
ومهمة هذه المنظومات، شرعنة مصادرة الأموال، وإخضاع المجتمع إحلال عناصر السلالة في مفاصل المحاكم واستغلال القضاء في حملات الاستقطاب والتعبئة السياسية.
في هذا التقرير، غاصت "العين الإخبارية" في قلب المنظومة القضائية الموازية وكياناتها التي تم تقسيمها وتوزيعها بين أقطاب القيادة الحوثية لتشكل أدوات تنفيذية للمليشيات، لشرعنة السيطرة والنفوذ.
الهيئة القضائية الداخلية
الهيئة القضائية الداخلية هو مجلس التحكيم السري الأعلى، ويعرف داخل جماعة الحوثي بـ"الهيئة القضائية الداخلية"، وتعد أعلى هيئة تنظيمية للجماعة معنية بفض نزاعات النخبة فضلا عن الإشراف عن بقية الكيانات القضائية.
ويقود الهيئة القضائية الداخلية السرية للحوثيين القيادي محسن صالح الحمزي وهو قياديا بارزا من بلدة "الحمزات" في صعدة ويشغل حاليا منصب نائب محافظ صعدة، المعقل الأمل للمليشيات.
وبحسب مصدر أمني يمني لـ"العين الإخبارية"، فإن الحمزي هو "اللاعب الخفي وراء جماعة الحوثي" ويلعب دوراً محورياً في حل أي صراع داخلي على السلطة والامتيازات ويقود مكتب فض النزاعات الداخلية ضمن جماعة الحوثي.
كما يعد "الجهة المسؤولة عن إدارة نزاعات النخبة داخل قيادات المليشيات الحوثية ويحظى بقبول لدى غالبية القيادات الحوثية من الصف الأول والثاني، حيث يحرص المجلس العام على عزل كل مجلس أو كيان عن الآخر تماما ومكتبه هو أداة الربط الوحيدة ورأسي في اتخاذ القرارات وذلك للحماية من الصراعات الداخلية بين قيادات الجماعة"، وفقا للمصدر ذاته.
المنظومة العدلية
ابتكرت مليشيات الحوثي ضمن حربها لتطويع القضاء وضمن سباق قياداتها للسيطرة على العقارات ما يسمى "المنظومة العدلية" وذلك نهاية 2020، برئاسة نجل أبن عم زعيم المليشيات "محمد علي الحوثي".
وجاء تشيد المنظومة العدلية كجناح للسيطرة التشريعية والقبلية تستهدف إحكام القبضة على وزارة العدل والمحاكم، وتوفير غطاء تشريعي لتعديل القوانين النافذة وشرعنة تعيين غير المؤهلين أكاديميا.
كما استهدفت وفقا لمصدر خاص في القضاء اليمني لـ"العين الإخبارية"، "تجميد وتأميم عقارات وأراضي المعارضين عبر لجان حصر وتوثيق تابعة لها مباشرة".
لجنة المظالم
يعد ديوان لجنة المظالم جناح النفوذ الرئاسى والتنفيذي للمليشيات ويتبع مباشرة رئيس المجلس السياسي الأعلى إدارياً، مهدي المشاط، ويديرها فعلياً القيادي النافذ أحمد محمد يحيي حامد (أبو محفوظ).
وقال مصدر لـ"العين الإخبارية"، إن مهام لجنة المظالم تكمن في "كسر احتكار المنظومة العدلية للقضاء التابعة لمحمد علي الحوثي، وخلق سلطة موازية لتمرير قرارات النواة الصلبة للجماعة وتأمين مصالح الشركات التجارية والنفطية التابعة لها".
كما "تقوم باستقبال شكاوى المواطنين ضد تعسفات المشرفين (القيادات) في الصف الثالث للجماعة لتسويق صورة العدالة البديلة وإدارة السجون التوقيفية الخاصة بالقضايا المالية والعقارية الكبرى ذات البعد الإستراتيجي"، وفقا للمصدر.
التفتيش القضائي
تعد هيئة التفتيش القضائي أداة الأدلجة والإحلال العقائدي للجماعة ويديرها قيادات عقائدية وأكاديمية موالية بالكامل للمليشيات وتعمل بالتنسيق المباشر مع مجلس القضاء الأعلى الذي أعادت المليشيات هيكلته.
ووفقا لمصادر أمنية، فإن "القاضي مروان محمد علي المحاقري المعين من قبل المليشيات رئيس هيئة التفتيش القضائي، يعد هو المحرك الأساسي والمسؤول عن تعيين قيادات موثوقة لإدارة فروع التفتيش في المحافظات الحيوية للرقابة على قضاة المحاكم الابتدائية والاستئناف".
مجلس القضاء الأعلى
يعتبر مجلس القضاء الأعلى أعلى سلطة قضائية وقد اختارت مليشيات الحوثي القاضي الدكتور عبد المؤمن عبدالقادر شجاع الدين رئيسا له وبات هو المرجعية الإدارية والقانونية العليا التي تُرفع إليها تقارير التفتيش القضائي للمصادقة عليها كما يشرف مع مروان المحاقري على خطط أدلجة وحوثنة المحاكم.
وكشف مصدر أمني لـ"العين الإخبارية"، جميع القيادات الحوثية في مجلس القضاء وهيئة التفتيش تخضع إيديولوجياً لتوجيهات عضو مجلس القضاء الأعلى المدعو عبدالوهاب المحبشي، وهو أحد الأيديولوجيين البارزين في الجماعة.
كما يعد المسؤول عن صياغة المضامين الثقافية ومخرجات دورات علماء الشريعة التي يتم الدفع بخريجيها لشغل مناصب القضاء والتفتيش، وفقا للمصدر.
الحارس القضائي
يعتبر الحارس القضائي، الأداة التنفيذية للحوثيين للمصادرة والتأميم المالي ويرأسه منتحل رتبة لواء المدعو صالح مسفر الشاعر وهو المهندس الأول لإمبراطورية النهب للجماعة ويحمل رسمياً منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون اللوجستيات، مما يمنحه غطاء عسكريا لاستخدام القوة عبر نوابه الميدانيين.
وطبقا لتقديرات أمنية، فإن الحارس القضائي "يتلقى أوامره القانونية من المنظومة العدلية، وأوامره اللوجستية والعسكرية من وزارة الدفاع أو ما يعرف بالمجلس الجهادي الأعلى للمليشيات مما يجعله كياناً عسكرياً بعباءة قضائية".
كما "يعمل وفق تكامل مع الكيانات السابقة، حيث تعمل المنظومة العدلية على الرصد والحصر ثم توفير الشرعنة القضائية ليتحرك الحارس القضائي في مهمة الاستحواذ الفعلي والتحصين ضد الطعون ما يجعل الحارس القضائي نقطة اشتباك ساخنة في صراع أجنحة الجماعة"، وفقا للمصدر الأمني.
ووفقا لذات المصدر، فإن مليشيات الحوثي تستخدم منظومة الحارس القضائي في "تجفيف المنبع المالي للمعارضين السياسيين والوجاهات القبلية والتجار المستقلين وبناء إمبراطورية اقتصادية موازية وخاصة بالنواة الصلبة للجماعة (جناح صعدة) تمكنها من تمويل المجهود الحربي وتحقيق الاكتفاء الذاتي بعيداً عن موازنة الدولة".
ويرى مراقبون، أن تشيد مليشيات الحوثي كيانات المنظومة القضائية لا يعد مجرد إجراءات تنظيمية عابرة، وإنما هو (سلطة ظل موازية) جعلت من إطار الدولة الرسمي في صنعاء مجرد واجهة بروتوكولية، بينما تُدار الثروة والسلطة والقرار الفعلي عبر شبكة معقدة من المجالس والمشرفين.