أطلق الباحث الاقتصادي الدكتور علي قاسم المسبحي تحذيرا لافتا بشأن تداعيات السياسات النقدية في اليمن، مؤكدًا أن خفض أسعار الصرف يحمل مفارقة حادة تتمثل في كونه مفيدًا للمواطنين، لكنه في المقابل يشكل عبئًا مباشرًا على الحكومة، في ظل وضع اقتصادي وصفه بالمتدهور والمتفاقم.
وأوضح المسبحي في منشور مطول رصده نافذة اليمن على حسابه الرسمي بموقع فيس بوك، أن الاقتصاد اليمني لا يزال يعاني من عجز عميق وتفكك واضح في البنية المؤسسية للدولة، معتبرًا أن الحديث عن تعافي اقتصادي ليس سوى خطاب إعلامي تروّج له الحكومة دون أن يعكس واقعًا حقيقيًا، مشيرًا إلى أن الإجراءات الحالية لا تتجاوز محاولات جزئية لتصحيح اختلالات محدودة مثل إلغاء الجبايات وتوريد الإيرادات إلى البنك المركزي.
وأكد أن الأزمة الاقتصادية أعقد بكثير من مجرد إجراءات سطحية، وتتطلب إصلاحات شاملة تبدأ بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، ومعالجة الازدواج الوظيفي، ومشكلات التقاعد، وتحسين كفاءة قطاع الكهرباء، وتشغيل مصافي عدن، إلى جانب مكافحة الفساد المؤسسي، ورفع الدعم عن بعض السلع والخدمات، وزيادة الرواتب، ووقف بند الإعاشة.
وفي تفسيره للجدل حول خفض أسعار الصرف، أشار المسبحي إلى أن هذه الخطوة قد تبدو منطقية في ظل زيادة المعروض من العملة الصعبة وشح السيولة المحلية، حيث يمكن أن تسهم في حل أزمة النقد، وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، وتحسين قيمة الرواتب، وخفض التضخم عبر تراجع أسعار السلع وانتعاش النشاط الاقتصادي.
غير أنه شدد على أن هذا الإجراء، رغم فوائده الاقتصادية، يضر بالحكومة بشكل مباشر، نظرًا لاعتمادها الكبير على المنح الخارجية بالعملة الصعبة، والتي بلغت في عام 2024 نحو 1258 مليار ريال، أي ما يعادل 61% من إجمالي الإيرادات العامة. وأوضح أن انخفاض سعر الصرف يعني تراجع قيمة هذه المنح بالعملة المحلية، وبالتالي انخفاض الإيرادات.
وأضاف أن خفض أسعار الصرف يؤدي أيضًا إلى تقليص السعر الجمركي، ما ينعكس سلبًا على الإيرادات الضريبية والجمركية، مستشهدًا بتراجع الإيرادات العامة من 2066 مليار ريال في 2024 إلى نحو 1435 مليار ريال في 2025، بانخفاض قدره 31%، نتيجة تراجع سعر الصرف وضعف كفاءة المؤسسات الإيرادية.
وكشف المسبحي أن الدعم السعودي المقدم عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في فبراير 2026، والبالغ 1.3 مليار ريال سعودي (حوالي 533 مليار ريال يمني)، يكفي لتغطية الرواتب لمدة ستة أشهر فقط، محذرًا من أن أي خفض إضافي في سعر الصرف سيقلص قيمة هذا الدعم بالريال اليمني، ما يفاقم أزمة الرواتب ويزيد العجز المالي.
وأشار إلى أن خفض أسعار الصرف خلال منتصف 2025 أدى إلى انخفاض جزئي في أسعار بعض السلع، إلا أن هذا التراجع لم يدم طويلًا، حيث عادت الأسعار للارتفاع نتيجة عدة عوامل، من بينها تحرير السعر الجمركي وفق القرار الرئاسي رقم 11 لعام 2025، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار النفط، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع عالميًا بسبب التوترات المرتبطة بحرب إيران.
وفي ختام حديثه، حمّل المسبحي الرئاسة والحكومة المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، مؤكدًا غياب حلول مستدامة، واستمرار تعطّل الإصلاحات الاقتصادية، وعلى رأسها مكافحة الفساد ومنع العبث بمؤسسات الدولة.
كما حذر من خطورة اعتماد الحكومة على المنح الخارجية، واصفًا ذلك بـ”الخطر الاستراتيجي” الذي قد يفقدها استقلالية القرار ويجعلها رهينة للجهات المانحة، داعيًا إلى تبني إصلاحات حقيقية قائمة على الشفافية، وتنمية الموارد المحلية، وترشيد الإنفاق العام.