تعود العاصمة عدن إلى واجهة المشهد بوصفها ساحة اختبار جديدة للاستقرار، مع تصاعد مؤشرات تشير إلى محاولات ومخططات منظمة لإعادة إنتاج الفوضى عبر بوابة الاغتيالات. هذه التطورات لا تبدو معزولة، بل تندرج ضمن سياق أوسع من الصراع على النفوذ، حيث تتحول العمليات الأمنية إلى رسائل متعددة الأبعاد تستهدف البنية المجتمعية والسياسية للمدينة.
وتثير حوادث الاغتيال مؤخرًا في عدن قلقًا واسعًا، خاصة أنها تأتي بعد فترة من الانحسار النسبي لهذه الجرائم خلال السنوات الخمس الماضية، حيث شهدت المدينة تحسنًا ملحوظًا في الوضع الأمني وتراجعًا في وتيرة الاستهدافات التي كانت سمة بارزة في مراحل سابقة. هذا التحسن عزز آمال السكان بترسيخ حالة من الاستقرار، غير أن عودة الاغتيالات اليوم تعيد طرح تساؤلات جدية حول هشاشة هذا الاستقرار، وإمكانية وجود محاولات منظمة لإعادة المدينة إلى دائرة العنف، عبر استهداف شخصيات مؤثرة بهدف إرباك المشهد وإضعاف الثقة بالمنظومة الأمنية.
وأعلنت الأجهزة الأمنية تفكيك خلية إرهابية كانت تخطط لتنفيذ سلسلة اغتيالات تستهدف شخصيات اجتماعية ودينية، في خطوة اعتبرتها السلطات إحباطًا لمخطط يهدف إلى زعزعة الاستقرار وإرباك المشهد العام. ووفق مصدر أمني، جاءت العملية بعد رصد ومتابعة دقيقة، وأسفرت عن القبض على عدد من عناصر الخلية، وضبط أدلة ومواد مرتبطة بأنشطتها وداعميها.
وأشار المصدر إلى أن التحقيقات الأولية كشفت عن مخططات لإثارة الفوضى داخل المدينة، لافتًا إلى وجود ارتباطات محتملة بين هذه الخلية وعدد من الحوادث الإجرامية الأخيرة، أبرزها اغتيال رجل الأعمال والقيادي الحزبي عبد الرحمن الشاعر، الذي قُتل برصاص مسلحين في مديرية المنصورة، في حادثة أثارت موجة واسعة من القلق.
حادثة اغتيال الشاعر، الذي كان يشغل موقعًا قياديًا في حزب التجمع اليمني للإصلاح ويرأس مجلس إدارة مدارس "النورس"، أعادت إلى الأذهان موجات الاغتيالات التي شهدتها عدن خلال السنوات الماضية، والتي طالت شخصيات دينية وأمنية وسياسية، في ظل غموض يكتنف معظم تلك الجرائم.
ووصفت السلطة المحلية في عدن هذه الجريمة بأنها "محاولة يائسة لزعزعة الأمن والسلم المجتمعي"، معتبرة أنها تستهدف الكوادر المدنية وتعطيل العملية التعليمية، وإرباك الجهود المبذولة لتطبيع الحياة العامة.
وربط التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية بين استمرار هذه الجرائم وتعثر مسار العدالة، مشيرًا إلى أن بطء الإجراءات القضائية في ملفات الاغتيالات المتراكمة منذ سنوات خلق بيئة مواتية للإفلات من العقاب.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى ما بعد اغتيال جعفر محمد سعد، أول محافظ لعدن بعد التحرير، حيث توالت بعدها عمليات استهداف طالت عشرات الشخصيات، دون أن تُحسم غالبية هذه القضايا بشكل نهائي.
وبحسب بيانات رابطة أسر ضحايا الاغتيالات، فقد تم توثيق أكثر من 480 حالة اغتيال منذ عام 2015، بينها نحو 250 حالة في عدن ولحج وأبين، فيما لا تزال عشرات القضايا عالقة أمام القضاء، وسط شكاوى من بطء الإجراءات وتعثر البت فيها. وأشارت الرابطة إلى أن نحو 28 قضية فقط منظورة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، وهو ما يمثل جزءًا محدودًا من إجمالي الجرائم، داعيًا إلى تحرك عاجل لكشف الجهات المخططة والممولة لهذه العمليات.
قراءة هذه التطورات في سياقها الأوسع تشير إلى أن عدن لا تواجه مجرد جرائم جنائية منفصلة، بل تقف أمام نمط متكرر من العمليات التي تستهدف إضعاف النسيج الاجتماعي وضرب مراكز التأثير المدني والديني. ويرى مراقبون أن اختيار شخصيات اجتماعية وتعليمية كأهداف يعكس محاولة لإحداث صدمة مجتمعية، وإرباك بيئة الاستقرار النسبي التي تشهدها المدينة.
كما أن توقيت هذه العمليات، بالتزامن مع جهود حكومية لتطبيع الأوضاع وتحسين الخدمات، يطرح تساؤلات حول الجهات المستفيدة من إعادة الفوضى، وما إذا كانت هذه التحركات جزءًا من صراع أوسع على النفوذ داخل المدينة.
تفكيك الخلية يمثل، من ناحية، مؤشرًا إيجابيًا على يقظة الأجهزة الأمنية، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم التحديات الأمنية التي لا تزال قائمة. فنجاح هذه الأجهزة في إحباط المخطط لا يلغي الحاجة إلى معالجة جذور المشكلة، وعلى رأسها تعزيز منظومة العدالة، وتسريع البت في قضايا الاغتيالات، وملاحقة الشبكات التي تقف خلفها.
وتبدو عدن أمام اختبار حقيقي لقدرتها على كسر دائرة الاغتيالات المتكررة، وتحويل النجاحات الأمنية إلى استقرار دائم، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن أي تراخٍ في هذا الملف قد يعيد المدينة إلى مربع الفوضى، ويقوض ما تحقق من جهود خلال السنوات الماضية.