في الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من سيطرة تنظيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، استعاد اللواء الركن فرج سالمين البحسني، أحد أبرز قادة عملية التحرير، تفاصيل دقيقة حول واحدة من أهم العمليات العسكرية التي شهدتها اليمن في السنوات الأخيرة، والتي انتهت باستعادة مدينة المكلا ومديريات الساحل، بدعم مباشر من الإمارات العربية المتحدة ضمن إطار التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن.
وتكشف رواية البحسني حجم التعقيد الذي سبق العملية، وكيف تحولت فكرة التحرير من مسار تخطيطي إلى عملية عسكرية خاطفة أعادت رسم المشهد الأمني في حضرموت خلال أقل من 48 ساعة.
ويقول البحسني إن فكرة تحرير ساحل حضرموت نشأت نتيجة تداخلات سياسية وعسكرية وقبلية وأمنية عميقة شهدتها المحافظة عقب تمدد التنظيمات الإرهابية، موضحاً أن التحرك جاء بتوجيهات من القيادة السياسية اليمنية، وبضغط وتنسيق مباشر من دول التحالف العربي، وعلى رأسها السعودية والإمارات.
ويشير إلى أن أولى خطوات التنسيق الفعلي بدأت بلقاء جمعه بقيادات عسكرية إماراتية رفيعة في مدينة جدة، حيث طُرحت فكرة إعداد قوة محلية قادرة على تنفيذ عملية تحرير شاملة، لكن اختلافاً أولياً في الرؤى وتأثر الوضع الميداني حينها أدى إلى تأجيل التنفيذ وإعادة دراسة الخطة بشكل أكثر عمقاً.
وخلال الفترة التي سبقت التنفيذ، أوضح البحسني أنه عمل ضمن غرفة العمليات المشتركة في الرياض إلى جانب عدد من القيادات العسكرية، حيث جرى تحليل مسرح العمليات في مختلف الجبهات، والاستفادة من الخبرات الميدانية لصياغة تصور أكثر دقة لعملية التحرير.
ويؤكد أن هذه المرحلة كانت حاسمة في إعادة بناء الفكرة على أسس عسكرية أكثر احترافية، بعيداً عن الارتجال، بما يضمن القدرة على خوض معركة داخل مدينة مأهولة ومعقدة جغرافياً وأمنياً.
وبعد نحو عام من النقاشات والتنسيق، تم التوصل إلى اتفاق نهائي مع الجانب الإماراتي على إنشاء قوة نظامية من أبناء حضرموت، يقودها ضباط ذوو خبرة، لتكون نواة ما عُرف لاحقاً بـقوات النخبة الحضرمية.
ويؤكد البحسني أن هذه المرحلة شهدت تحولاً نوعياً في الفكرة، من مجرد تصور إلى مشروع عسكري متكامل، يعتمد على بناء قوة محلية مدربة ومؤهلة لخوض معركة التحرير.
ويشير البحسني إلى أن عملية التجنيد استقطبت آلاف الشباب من مختلف مديريات حضرموت، ممن يحملون مؤهلات تعليمية متنوعة، حيث تم إخضاعهم لبرامج تدريب مكثفة في معسكرات بعيدة عن أعين التنظيم، أبرزها معسكرات في صحراء الربع الخالي.
ويؤكد أن هذه المعسكرات جُهزت بدعم كامل من الإمارات، من حيث البنية التحتية والتسليح والإمداد اللوجستي، إلى جانب إشراف ضباط إماراتيين مختصين في التدريب والاستخبارات، مع مشاركة كوادر حضرمية ذات خبرة.
ويضيف أن حجم الإقبال كان لافتاً، حيث اصطف آلاف الشباب في ظروف صعبة للالتحاق، وتم تحويلهم خلال فترة قصيرة إلى قوة منضبطة تمتلك روحاً قتالية عالية وجاهزية ميدانية.
ومع توسع أعداد المجندين، واجهت القيادة تحديات لوجستية كبيرة، ما استدعى تشكيل لجان تجنيد في مختلف المديريات، وإعادة تنظيم القوة إلى وحدات قتالية متكاملة.
كما تم إشراك المقاومة المحلية وشيوخ القبائل في دعم العملية، عبر تأمين الطرق وقطع خطوط الإمداد عن التنظيم، إضافة إلى خلق بيئة اجتماعية داعمة للعملية العسكرية.
ويشير البحسني إلى أن هذه المرحلة شهدت أيضاً استعداداً عملياً للمعركة، من خلال تدريبات ميدانية ومحاكاة لخطط الهجوم قبل لحظة التنفيذ.
وفي منتصف ليلة 24 أبريل 2016، أُعلنت ساعة الصفر، لتنطلق عملية تحرير ساحل حضرموت عبر ثلاثة محاور رئيسية، مع إسناد جوي مكثف من التحالف العربي.
وتقدم المحور الشرقي باتجاه ميناء الضبة، بينما اتجه المحور الغربي نحو القصر الجمهوري ومطار الريان، في حين توغل المحور الأوسط نحو عمق المدينة عبر مناطق جبلية شديدة التحصين.
ويؤكد البحسني أن الضربات الجوية الأولى لعبت دوراً حاسماً في تدمير مواقع التنظيم وإرباكه بشكل كامل منذ الساعات الأولى للعملية.
ويستعرض البحسني أن القوات واجهت مقاومة شرسة في مناطق استراتيجية مثل الأدواس وعبدالله غريب والعيون، حيث استخدم التنظيم الألغام والعبوات الناسفة والكمائن لإبطاء التقدم.
ورغم صعوبة التضاريس، واصلت القوات تقدمها بثبات، مع طلب دعم جوي إضافي مكثف، ما أدى إلى انهيار خطوط الدفاع الأولى للتنظيم.
ويشير إلى أن السيطرة على مطار الريان قبل حلول الليل مثّلت نقطة تحول حاسمة في المعركة، وأسرعت بانهيار التنظيم داخل المدينة.
بحسب البحسني، فإن العملية انتهت خلال أقل من 48 ساعة، بإعلان تحرير ساحل حضرموت بالكامل، في واحدة من أسرع العمليات العسكرية ضد تنظيم القاعدة في المنطقة.
ويؤكد أن سرعة الإنجاز جاءت نتيجة التخطيط المسبق، وتكامل الأدوار بين القوات المحلية والدعم الجوي للتحالف، إضافة إلى جاهزية المقاتلين العالية.
ويشير البحسني إلى أن التحدي الحقيقي بدأ بعد التحرير، حيث حاولت عناصر التنظيم تنفيذ هجمات انتحارية وعمليات داخل المكلا، مستهدفة مواقع أمنية حساسة.
لكن الأجهزة الأمنية، وفقاً لروايته، تمكنت من إحباط معظم هذه المحاولات، من خلال خطط أمنية محكمة شملت إغلاق المنافذ ومداهمة أوكار مشبوهة وضبط كميات كبيرة من المتفجرات.
كما جرى تنفيذ عملية نوعية في وادي المسيني، بدعم من التحالف العربي، أسفرت عن إنهاء آخر معاقل التنظيم في المناطق الوعرة.
ويختتم اللواء فرج سالمين البحسني شهادته بالتأكيد على أن تحرير المكلا شكّل تحولاً استراتيجياً في الحرب على الإرهاب، وأسهم في إعادة بناء الأمن في حضرموت، مشيراً إلى أن هذا الإنجاز تحقق بفضل تكامل الجهود بين القوات المحلية والدعم الإقليمي، وعلى رأسه الإمارات، ليصبح نموذجاً بارزاً في مواجهة التنظيمات الإرهابية واستعادة الدولة.