تتردّد في الخطاب العام مفاهيم عديدة حول وجود دولة عميقة في اليمن تتحكّم بمسار السياسة والاقتصاد، إلا أن قراءة المشهد اليمني من زاوية واقعية تكشف غياب هذا النموذج بالمعنى المتعارف عليه في تجارب دول أخرى. فالدولة العميقة، كما تُعرَّف سياسياً، هي منظومة نفوذ متماسكة تمتلك أدوات ضغط داخل المجتمع، وتعمل على توجيه الشارع لتحقيق أهداف معينة، وقد تلجأ إلى التضييق على المواطنين لدفعهم إلى القيام بثورة مضادة ضد النظام القائم.
ويبرز المثال المصري خلال مرحلة حكم جماعة الإخوان المسلمين بوصفه نموذجاً معروفاً للدولة العميقة، حيث تمكنت القوى البيروقراطية والأمنية والاقتصادية من تعبئة الشارع ضد سلطة الإخوان، مستندة إلى نفوذها المتجذر داخل مؤسسات الدولة، ما أدى في نهاية المطاف إلى إسقاط الحكم خلال فترة زمنية قصيرة.
أما في اليمن، فلا وجود لبنية مماثلة قادرة على تشكيل دولة عميقة وفق هذا التعريف، فالمؤسسات منهكة بفعل الحرب والانقسام، والسلطة المركزية شبه غائبة، ما يجعل فكرة الدولة العميقة نظرياً وعملياً بعيدة عن الواقع.
في المقابل، يظهر فاعل آخر أكثر تأثيراً: تجّار الحروب. هؤلاء ليسوا مؤسسات عميقة ولا أجهزة متوارية خلف الستار، بل مجموعات وأفراد يستغلون الأزمات لتحقيق مكاسب مالية هائلة. وتتجلى أدواتهم في افتعال أزمات العملة، والتحكم بسوق المشتقات النفطية، ورفع الأسعار، وخلق بيئة اقتصادية مرتبكة لا يستفيد منها سوى من يقتاتون على استمرار الفوضى.
في الواقع اليمني الراهن، لا يعني هؤلاء من يحكم بقدر ما يعنيهم استمرار دائرة الربح، فكلما طال أمد الأزمات تضاعفت مكاسبهم، وكلما تعمّقت المعاناة ازدهرت شبكاتهم.
اليمن لا يعيش تحت قبضة دولة عميقة بالمعنى السياسي التقليدي، بل تحت تأثير طبقة من المنتفعين الذين أصبحوا الفاعل الأبرز في توجيه مسار الأحداث.