أشعل الخطاب الأخير لزعيم مليشيا الحوثي عبد الملك الحوثي، موجة انتقادات حادة في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد أن بدأ منفصلاً عن واقع اليمنيين، ومثقلاً برسائل إقليمية تتقدم على هموم الداخل المنهك.
ويرى منتقدون أن الخطاب أعاد تدوير نفس المضامين المعتادة، من تصعيد لفظي وتعبئة ذات طابع أيديولوجي، مع تركيز لافت على ما يُعرف بـ"وحدة الساحات" والترويج لإيران وحلفائها، في مقابل غياب شبه تام لأي معالجات جدية للأزمة الاقتصادية الخانقة أو الانهيار الخدمي في مناطق سيطرة الجماعة.
لكن ما لفت الانتباه أكثر، بحسب محللين، ليس فقط مضمون الخطاب، بل تحوله التدريجي خلال الفترة الأخيرة، حيث تراجعت نبرة التهديدات المباشرة التي طالما طبعت تصريحات الحوثي، لتحل محلها لغة أكثر حذراً، أقرب إلى التبرير وإعادة التموضع، خاصة في ظل التصعيد الإقليمي المرتبط بالمواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
هذا التحول، وفق قراءة مراقبين، يعكس تغيراً عميقاً في حسابات الجماعة، التي كانت في مراحل سابقة ترفع سقف الخطاب إلى حد التلويح بتوسيع المواجهة، قبل أن تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً، تُحسب فيه كل كلمة ضمن توازنات إقليمية شديدة الحساسية.
وفي الوقت الذي كان يُتوقع فيه ترجمة التصعيد اللفظي إلى خطوات عملية، جاء الخطاب الأخير خالياً من أي إجراءات واضحة، مكتفياً بعبارات الإدانة والتضامن، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول الفجوة المتزايدة بين الشعارات المعلنة والقدرة الفعلية على التنفيذ.
ويرى محللون أن الجماعة تحاول السير على حبل مشدود؛ فهي من جهة تسعى للحفاظ على خطابها التعبوي وإظهار ارتباطها بمحور إقليمي تقوده إيران، ومن جهة أخرى تتجنب الانخراط المباشر في مواجهة قد تتجاوز قدراتها العسكرية والسياسية.
وتبرز حساسية الممرات البحرية، خصوصاً في البحر الأحمر، كأحد أبرز العوامل التي فرضت هذا الحذر، إذ إن أي تصعيد في هذا الملف لم يعد يُنظر إليه كرسالة محلية، بل كتهديد مباشر لمصالح دولية، ما يرفع كلفة المغامرة إلى مستويات غير مسبوقة.
في المقابل، لم تغب الأدوات الدعائية التقليدية عن الخطاب، حيث استمر توظيف اللغة الدينية، وشيطنة الخصوم، وتضخيم القدرات العسكرية، إلى جانب تقديم صورة مبالغ فيها لقوة إيران في صراعاتها الأخيرة، في محاولة للحفاظ على تماسك القاعدة المؤيدة واستمرار عمليات الحشد.
غير أن هذا النمط الدعائي، بحسب مراقبين، بات يواجه تحديات متزايدة، مع اتساع الفجوة بين الخطاب والواقع، وتزايد الضغوط المعيشية التي تثقل كاهل السكان، في وقت تغيب فيه أي حلول ملموسة.
داخلياً، قد ينعكس هذا التحول على مستوى التعبئة، حيث تعتمد الجماعة بشكل كبير على الخطاب كأداة للسيطرة والتجنيد، ومع تراجع نبرة التصعيد، تتزايد التساؤلات داخل قواعدها حول جدوى الخطاب السابق وحدود قدرته على مواكبة الواقع.
في المحصلة، يكشف الخطاب الأخير عن مرحلة جديدة في مسار الجماعة، عنوانها الانتقال من خطاب المبادرة والتهديد إلى خطاب الحذر وإدارة المخاطر، وهو تحول يشي – وفق محللين – بأن ميزان القوة لم يعد يسمح بمواصلة "العنتريات" السابقة، وأن الحسابات الميدانية باتت تفرض سقفها على لغة السياسة.
وبين تصعيد الخطاب خارجياً وتجاهل الداخل، تظل معاناة اليمنيين الغائب الأكبر، في مشهد يعكس بوضوح أزمة خطاب لا تقل عمقاً عن أزمة الواقع نفسه.