آخر تحديث :السبت-11 أبريل 2026-05:43م
اخبار وتقارير

أيلول تعز.. ضحية سيول قاتلة وإهمال متعمد

أيلول تعز.. ضحية سيول قاتلة وإهمال متعمد
السبت - 11 أبريل 2026 - 04:10 م بتوقيت عدن
- تعز، نافذة اليمن:


لم تكن أمُّ الطفل أيلول عيبان السامعي تعلم أن كلماتها التي كتبتها بقلقٍ وألم قبل أشهر، ستتحول إلى نبوءةٍ موجعة، وأن التحذير الذي أطلقته خوفاً على أطفال الحي سيعود ليخطف ابنها ذاته، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها مدينة تعز مؤخراً.


ففي مطلع مايو من العام 2025، نشرت والدة أيلول، البالغ من العمر 11 عاماً، تدوينة على صفحتها في “فيسبوك”، دقّت فيها ناقوس الخطر بشأن حفرة مجاري مكشوفة قرب حيهم، مشيرةً إلى ما تمثله من تهديد مباشر لحياة الأطفال. وكتبت حينها بلهجة يملؤها القلق: “بكرة لما يروح فيها طفل.. ايش بتكون الأعذار؟”، متسائلةً عن الجهة المسؤولة التي يمكن اللجوء إليها، في ظل تجاهل الشكاوى التي تقدم بها الأهالي دون أي استجابة تُذكر.


وأوضحت في منشورها أن الحفرة ظلت مفتوحة لأشهر، بل ازدادت خطورتها مع تدفق مياه الأمطار وانتشار الروائح الكريهة وتكاثر البعوض، مؤكدة أن الوضع البيئي والصحي في المنطقة يتدهور يوماً بعد آخر، وسط غياب دور الجهات المعنية، على حد وصفها.


لكن التحذير الذي لم يجد آذاناً صاغية، تحوّل إلى واقعٍ مأساوي صباح الجمعة، حين عُثر على جثمان الطفل أيلول في سد العامرية شمالي مدينة تعز، بعد نحو 18 ساعة من عمليات بحث متواصلة شاركت فيها فرق الدفاع المدني وعشرات المواطنين.


ووفقاً لمصادر محلية، فقد جرفت السيول الناتجة عن الأمطار الغزيرة الطفل أثناء عودته من مدرسته في حي الكوثر بمديرية القاهرة، قبل أن تنتهي رحلته في مجرى السائلة قرب السد. وأشارت المصادر إلى أنه جرى نقل جثمانه إلى منطقة الحوبان، ومن ثم إدخاله إلى مدينة تعز عبر المنفذ الشرقي.


غياب المعالجة الجذرية


الحادثة أعادت إلى الواجهة مجدداً المخاطر المتكررة التي تهدد سكان المدينة، خصوصاً خلال موسم الأمطار، في ظل انتشار الحفريات المكشوفة وضعف البنية التحتية، إلى جانب غياب المعالجات الجذرية من قبل الجهات المختصة.


ويرى ناشطون أن مأساة أيلول تمثل جرس إنذار جديداً يستدعي تحركاً عاجلاً، ليس فقط لمعالجة آثار الكارثة، بل لمنع تكرارها، مؤكدين أن الإهمال المستمر قد يحوّل أي تحذير بسيط إلى فاجعة إنسانية جديدة.


وفي أعقاب الحادثة، تفاعل عدد من الناشطين والحقوقيين والكتاب مع فاجعة الطفل أيلول، مقدمين قراءات مختلفة للأسباب التي قادت إلى هذه النهاية المأساوية، ومجمعين على أن ما حدث لم يكن حادثاً عابراً، بل نتيجة تراكمات من الإهمال والحصار.


إهمال داخلي وحصار خارجي


يرى الناشط السياسي فهمي محمد مارش أن مأساة الطفل أيلول تكشف بوضوح تداخل عاملين رئيسيين، أولهما الإهمال من قبل السلطة المحلية، والذي سمح ببقاء مواقع خطرة كمجاري السيول دون معالجة، ما أدى في النهاية إلى سقوط الطفل. أما العامل الثاني، بحسب مارش، فهو الحصار المفروض على مدينة تعز، والذي أعاق عمليات البحث والإنقاذ، مشيراً إلى أن التأخر في الوصول إلى جثمان الطفل لم يكن ليحدث لولا القيود المفروضة على الحركة في مناطق التماس. ويؤكد أن هذا الواقع يجعل المدينة تعيش بين ضغطين قاسيين: إهمال داخلي يهدد حياة السكان يومياً، وحصار خارجي يضاعف من حجم المأساة ويقيد فرص الإنقاذ.


من جهته، اعتبر الناشط الحقوقي رياض الدبعي أن ما يحدث في تعز يعكس حالة انهيار في منظومة المسؤولية، موضحاً أن الأطفال الذين نجوا من ويلات الحرب باتوا يواجهون مخاطر أخرى لا تقل فتكاً، كالغرق والسيول والحوادث الناتجة عن غياب الحد الأدنى من إجراءات السلامة.


وأشار إلى أن المأساة لم تعد مرتبطة بالحرب وحدها، بل بغياب الاهتمام بحياة الناس، لافتاً إلى أن السلطة المحلية لم تعد تضع حماية المواطنين ضمن أولوياتها. كما انتقد انشغال القوى السياسية بالصراعات وتقاسم المناصب، على حساب تقديم الخدمات، معتبراً أن الجميع بات شريكاً في هذا التدهور. وشدد الدبعي على أن المرحلة تتطلب تغييراً حقيقياً يعيد الاعتبار للإنسان في تعز، ويوفر له الحد الأدنى من الأمان والخدمات.


الحصار كعائق قاتل للإنقاذ


بدوره، ربط الكاتب والإعلامي عبدالسلام القيسي بين مأساة أيلول واستمرار الحصار، مشيراً إلى أن الحادثة أعادت إلى الأذهان قصصاً إنسانية مشابهة، لكنها اختلفت في مستوى التفاعل والاستجابة. وأوضح أن عجز الأهالي عن استكمال عمليات البحث في الوقت المناسب، بسبب إغلاق المسارات ووقوع المنطقة بين جبهتين، يعكس حجم المعاناة التي يعيشها السكان.


ولفت إلى أن الحصار لا يظهر فقط كواقع سياسي، بل كعامل مباشر في تعقيد الكوارث الإنسانية، محولاً إياه إلى ما يشبه “القاتل الصامت” الذي يحصد الأرواح بشكل غير مباشر. كما انتقد غياب التفاعل الرسمي مع الحادثة، مقارنة بما يحدث في دول أخرى عند وقوع كوارث مشابهة.


وفي قراءة رمزية، أشار الرسام رشاد السامعي إلى أن الخطر لا يقتصر على القناصة في جبهات القتال، بل يمتد إلى “قناصين” من نوع آخر، يعيشون داخل مؤسسات الدولة ويمارسون أعمالهم عبر قرارات وإهمال يومي. واعتبر أن هؤلاء، رغم عدم حملهم للسلاح، يسهمون في تعريض حياة الناس للخطر، من خلال التقصير في أداء واجباتهم، وترك المدينة تواجه مصيرها دون حماية حقيقية. هذه الرؤية تعكس جانباً من الغضب الشعبي تجاه ما يُنظر إليه كإهمال ممنهج يهدد حياة المواطنين.


أما الكاتب عبدالستار سيف الشميري، فقد عبّر عن الحادثة بلغة إنسانية مؤثرة، واصفاً تعز بأنها مدينة تعيش الألم بشكل يومي، لا في لحظة واحدة فقط. وأشار إلى أن أسماء الضحايا تتراكم في ذاكرة المدينة، بينما يقف الأحياء في طابور طويل يواجهون مصيراً مجهولاً بين الحرب والفساد والإهمال. واعتبر أن أيلول لم يكن سوى واحد من ضحايا هذه الحكاية المستمرة، في وقت بات فيه الجميع مرهقين من تكرار المآسي، حتى أصبح الحزن جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.