آخر تحديث :الأحد-08 نوفمبر 2026-01:39ص

يود البعض لو يقول: حتى أنت يا ابو حيدر!

الأحد - 08 نوفمبر 2026 - الساعة 01:36 ص

مصطفى ناجي
بقلم: مصطفى ناجي
- ارشيف الكاتب


لكن أبا حيدر لم يتأخر أو يخاتل أحداً. كان أبو حيدر صناعة بيئة، ونتاج حاضنة، في مكان كل شيء فيه مفبرك وأداة، وهو الآن يشهر إعلان وفاته كإنسان وفرد مستقل وضمير حي.


وصلت أسماء مشهورة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى منافذ تعز لتؤدي رسالة حوثية أن تعز غير محاصرة.

لاحظوا؛ لم يدخل أحدهم من الخارج إلى داخل المدينة ويقول تعز ليست محاصرة، بل يقفون على الأسوار ويكذبون كما يراد منهم.

وفي هذا قولان:

الأول أن الجماعة الحوثية أفلست إعلامياً وسياسياً محلياً وعربياً، وكشفها حصارها لتعز إلى درجة أنها تلجأ إلى كل أشكال الدعاية والتأثير؛ إذ إن دليل عدم وجود حصار هو عدم تطويق المدينة بالأسلحة والقتلة، وما دون ذلك كذب يفضح نفسه.


والثاني هو أن مناطق سيطرة الحوثي بيئة فاسدة مفسدة للضمير؛ لا يستطيع الفرد الطامح الطامع أن يبقى نظيفاً.


أنت في منطقة تعد أنفاسك عداً، لا مجال فيها حتى لأن تقول إنك جائع، أو أن تضحك وتفرح في عرسك أو احتفال تخرجك، فكيف يمكن ظهور نجوم اجتماعيين خارج هذه السيطرة؟

كل ما في مناطقها سيؤول لخدمتها.


لماذا؟


الفاشيات ليست مجرد نظام سياسي يحكم الناس بالنار والحديد، بل هي منظومة إعادة هندسة ليس للمجتمع فحسب بل للفرد في ضميره وعقله، ليتحول إلى أداة طيعة تنهار وتتداخل لديه معايير الخير والشر وفق الطلب؛ فالحق والخير ما تقوله وتطلبه السلطة، والشر ما تمليه.


الفاشيات تسحق الناس، تمسخهم، تستولي عليهم، تصادر طاقاتهم ومواهبهم، لأنها تلغي المسافة بين الفرد والسلطة وهي المسافة اللازمة لاستقرار وثبات كينونة الفرد. إنها مشروع نفسي وأنثروبولوجي متوحش.


الفاشيات حالة عدوى أيديولوجية لا تهنأ إلا إذا جعلت كل من تسيطر عليهم مثلها، وآلة لها، أو ترساً في ماكينتها.


يتوهم البعض أن الحرية مفسدة، وأحياناً يقول ذلك من باب الحرص على الآداب العامة ومن قصر نظر في الأخلاق، وأحياناً من السخط من الفوضى، وأحياناً في مديح البطش واستسهاله. لكن الاستبداد مصادرة للعقول والأرواح؛ كل شيء يُفرَّغ من معناه: العبادة، الانتماء، العمل، النجاح، الموهبة، والتفكير.


الفاشيات عدوة الفرد قبل أن تكون عدواً سياسياً؛ تجعل الفرد ممسوخاً، هو ليس هو، شيئاً مسلوباً، يعيش حياته مجرد تمثيل.


كان يمكن أن يكون أبو حيدر شخصاً سوي الفطرة غير ملزم بأن يكذب، كان يمكن أن يتحول إلى رجل أعمال ويحافظ على طهارته وعفويته، ومثله كان يمكن للمومري.

هناك نجوم شعبيون يستمدون حضورهم من أساليبهم الخارجة عن الصندوق، من فوضاهم، من العبث أو من تجرؤهم على الذهاب إلى زوايا غير مألوفة أو غير نظيفة، لكنهم صادقون.


في حالتهما فقدا الصدق، وفقدان الصدق سيفقدهما ما يراه البعض موهبة أو ذلك الحضور.

كان لديهما قابلية دون شك، لكن لو كانا في بيئة أخرى لما تحولا إلى مسوخ تحت الإكراه والترغيب.


قد لا نتفق على موهبتهما، وما يزال سؤال أسباب هذا القبول والحضور قائماً، لكنهما ظهرا في زمن الكوليرا، زمن الحوثية؛ هذا الزمن الذي تحدد فيه هذه الميليشيا سقف النجومية والحضور. وربما يمثلان انعكاساً لشروط النجومية والموهبة لشرائح معينة من المجتمع ضمن آليات الهدر والحط من الكرامة.

كلاهما قبيلي، ويعكسان أسباب النجاح المطلوبة في زمن الكوليرا المعدية، لتبقى مؤشرات النبل محتكرة.


بالقدر الذي أنا منزعج مما يفعله أبو حيدر وغيره على أبواب تعز من كذب وتدليس، فإني أرثي لهم حالهم إذ أراهم مستملَكين فاقدين لهويتهم.

في أرض الفاشية وزمن الكوليرا لا مجال للموهبة والإبداع؛ لأن الإبداع والموهبة يتطلبان فضاءً حراً، وصدق عاطفة، وخيالاً متمرداً. وهذا غير متاح في منظومة تريد أن تجعل من الأفراد مسوخاً وأشباحاً بعد أن صادرت هويتهم وفردانيتهم، وسحقتهم بشروط النجاح بل وبشروط البقاء.


الدرس الذي يهمنا ليس في الغضب من التمثيلية الكاذبة والرخيصة التي يؤديها هؤلاء، بل من خطر هذا النمط من السلطة الذي يذهب بإنسانية الإنسان ويسحقها، فتذوي هويته وهي تلعن نفسها.


والمهم هو أن الحرية ثمينة وضرورة وجودية.


د. مصطفى ناجي

من صفحة الكاتب على موقع فيس بوك