في الواقع الذي عرفناه وعشناه، دعوا عنكم التنظير الساذج والتعالم البارد ، فالواقع أبلغ من النظريات.
يمكنك أن تكون زيديًا حتى النخاع، أصولًا وفروعًا، وأن تفوق كثيرًا من أبناء السلالة علمًا بالمتون والحواشي، لكنك إن كنت قحطانيًا من خارج «البطنين»،وبشرط أن _تكون مرضي عنك_ فهناك سقف تقف عنده: عالم، مدرس، محقق، وأعلاها: «من شيعتنا أهل البيت» أما أن تصبح رأس المذهب نفسه، فهنا يبدأ امتحان النسب واشتراط الجينات.
خذ مثالًا خمسةً من دعاتهم:
علي مسعود الرابضي، من ولد مسعود، سحار، صعدة.
صالح أحمد هبرة، من بني معاذ، سحار، صعدة.
عبدالله عيضة الرزامي، من وادعة، همدان، صعدة.
محمد يحي سالم عزان، من رازح، صعدة.
علي أحمد الرازحي، من رازح، صعدة.
الرابضي احدودب ظهره في تدريس المذهب، وأقام أكبر مركز لتدريسه، ولا يزال يعمل معهم الى الآن بإخلاص، ومع ذلك يبقى السؤال: هل كان علمه، مهما بلغ، كافيًا لأن يصبح هو رأس المذهب، وهو ابن سحار، القبيلة الخولانية؟
مستحيل أن يفكر في قيادتهم، ولو كانت عمامته كجبل تُلُمَّس.
أما الأستاذ صالح أحمد هبرة، فدرس وحقق وحضر في قلب المشهد، لكن حضوره لم يتحول إلى زعامة، بل انتهى به المطاف، بعد خلاف معهم، إلى أن يعود كادحًا في مزرعته، يندب حظه العاثر.
عبدالله عيضة الرزامي، من وادعة همدان، أكثر من قاتل وضحى من أجل حسين بدر الدين، ووالده بدر الدين الحوثي، وكان الرجل الثاني بعد حسين بدر الدين بلا منازع، إلا أن نسبه القحطاني أخّره، وقدّم الشاب عبدالملك الحوثي، الأقل منه سنًا وعلمًا وعملًا وجهدًا وتجربةً وخبرةً.
الأستاذ محمد سالم عزان ألّف وحقق وحاضر وخطب، وأقام المراكز في خدمة المذهب، لكن كل ذلك لم يضعه في قمة هرم المذهب، بل تم نفيه خارج دائرة التأثير، وتنكر له حتى أقرب طلابه ورفاقه، وهو يعرف أن جيناته هي السبب الرئيس في استبعاده، رغم جهوده التي لم تشفع له.
ومثله زميله علي أحمد الرازحي، داعية المذهب ومنظّره القديم، الذي لم يكن أحسن حظًا منه.
خمسة أمثلة قبلية من قحطان، وكل واحد منهم أعلم من عبدالملك الحوثي بمراحل، وأكثر خدمةً داخل المذهب وتجربةً في الواقع، وغيرهم كثير. والغريب أن هؤلاء، رغم هذا الاضطهاد، لا يزالون متكيفين داخل هذا الإطار الضيق. (ومن الحب ما قتل، وما أثقل العشق حينما يكون من طرف واحد).
والسؤال الذي يتكرر: إذا كان العلم والكفاءة هما معيار القيادة فعلًا، فلماذا لا تتحول مكانة أمثال هؤلاء العلمية إلى أهلية لزعامة المذهب نفسه؟ ولماذا، عندما تقرر السلالة سحب الانتماء إلى المذهب من القبيلي، تسقط شرعيته دون مقاومة؟!
لأن القبيلي في المذهب الزيدي كالأخ البنقالي المقيم في إحدى دول المنطقة: يقيم داخل الدولة للعمل ، لكنه ليس من سكانها الأصليين ولا من مواطنيها الذين يحملون جنسيتها، وفي المذهب الزيدي بإمكانك أن تكون مقيمًا، لكن لا يمكن أن تكون أحد أبنائه الأصليين إلا إذا كنت سلاليًا.
أما المضحك اليوم، فحين يظن علي البخيتي أنه يستطيع، أن يسحب بساط زعامة المذهب الزيدي من تحت السلالة الهاشمية، ثم يجعلها في «السلالة البخيتية»!
يهناك يا جامع ذمار والدنانة!
الخلاصة المرَّة : في المذهب ليست العبرة بمن يحفظ أكثر، ولا بمن يحقق أكثر، ولا بالأقدمية، لأن هناك مطب في المذهب يتوقف عنده سلطان العلم، ويتجاوزه سلطان النسب.
إنه بناء لا يقبل أن يتزعمه قحطاني من خارج البطنين، مهما بلغ علمه.
ومن المعضلات توضيح الواضحات
ومن الموجعات الاستمرار في التجارب الفاشلات.