حين تُصاب المديريات بمرض "البيروقراطية الورقية"، تتحول القرارات إلى مجرد حبر يُسكب على زوايا الصحف، وتكتفي الجهات الرقابية بتبادل المذكرات الفضفاضة وعقد الاجتماعات الاستعراضية التي تستهلك الوقت ولا تقدم حلاً. وكأن هؤلاء المسؤولين بمعزل تام عن واقع المواطن البسيط في تعز، الذي بات يعتصر قهراً تحت وطأة غلاء معيشي خانق يكاد يلتهم ما تبقى من مقومات العيش الكريم.
إن صدور قرار المحافظ القاضي بتصنيف المدارس الأهلية وتحديد رسومها، وتتويج ذلك بالأمر القضائي الصادر عن محكمة غرب تعز برئاسة القاضي تركي الرعيني والقاضي بإلزام المدارس الأهلية بالامتناع عن فرض أي رسوم دراسية تتجاوز ما هو محدد في قرار المحافظ رقم (137) لسنة 2025م؛ يمثلان معاً طوق نجاة حقيقي لأسر تكابِت الأمرين لتأمين مستقبل أطفالها ،غير أن الواقع المرير يثبت يوماً بعد يوم أن "حرب المذكرات" و"ضجيج الاجتماعات" لا يغنيان من الجوع أو الاستغلال شيئاً، ما لم تتحول تلك النصوص القانونية إلى لجان ميدانية صارمة تضرب بيد من حديد.
لقد تجاوزت المدارس الأهلية في تعز كل الخطوط الحمراء، وتحولت تدريجياً من رسالة تنموية وتربوية نبيلة إلى استثمار تجاري بحت، يعبث بجيوب الأسر المكلومة دون وازع من ضمير. وتتجلى فصول هذا العبث في صور صارخة أبرزها:
الالتفاف الخبيث على الرسوم الشاملة: تعمد بعض إدارات المدارس إلى التحايل الفج على القرارات عبر اختراع مسميات وهمية لرسوم إضافية تحت غطاء "الخدمات والأنشطة والصيانة"، لضمان مضاعفة الإجمالي المالي المفروض على أولياء الأمور خارج إطار القانون.
تجاوز السقف الأعلى بلا رقيب: تفرض بعض المدارس في مراحل التعليم الأساسي رسوم تسجیل ومقاعد دراسية تفوق القدرة المالية للأسر بأضعاف مضاعفة، لتصبح المقاعد الدراسية الحكر على القادرين فقط، في إقصاء واضح لمن لا حول لهم ولا قوة.
التعسف الوظيفي : تشير الشكاوى والتقارير الميدانية إلى مآسٍ خفية تعاني منها الكوادر التعليمية، حيث تواصل تلك المنشآت استغلال المعلمين والمعلمات بأجور زهيدة، متجاوزةً أبسط المعايير العمالية والإنسانية العادلة.
تحدي هيبة القضاء والدولة: إن امتناع بعض المدارس عن تنفيذ القرار رقم (137) والأمر القضائي الصادر عن محكمة غرب تعز لا يُعد مجرد مخالفة إدارية، بل هو تمرد سافر وتحدٍ وقح لهيبة الدولة وسلطة القضاء التي يجب أن تبقى هي العليا.
ما الذي يجب فعله لإنفاذ قرار المحافظ ورئيس المحكمة؟
إن بقاء القرارات حبيسة الأدراج لا يحمي المجتمعات، بل يعزز شريعة الغاب. ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه من العملية التعليمية وحماية حقوق الأطراف كافة، لم يعد أمام الجهات الرسمية سوى خطوات عملية لا تقبل التأجيل:
تفعيل لجان التفتيش الميداني العاجل: النزول الميداني الفوري لفرق الرقابة والتفتيش المالي والإداري التابعة لمكتب التربية والسلطة المحلية، لملاحقة المدارس المخالفة وإحالتها للمحاسبة القانونية الفورية.
مواجهة التمرد الإداري بحزم: تفعيل المواد القانونية الواردة في مذكرات المديريات بكل صرامة، ورفع القوائم السوداء بأسماء المدارس المتمردة على توجيهات السلطة المحلية والأحكام القضائية، لاتخاذ إجراءات رادعة تصل إلى سحب التراخيص.
حماية الفئات المستثناة واقعياً لا ورقياً: التأكد القاطع من التزام المدارس بتطبيق الإعفاءات المقررة قانوناً لأبناء الشهداء والجرحى والأسر الفقيرة، ومتابعة ذلك بروح المسؤولية لا بلغة التسويف والمماطلة.
إن التعليم ليس سلعة يُساوم عليها، وإنفاذ القانون هو الضمانة الوحيدة لتنظيم هذا القطاع وحماية المصلحة العامة للمجتمع. لقد حان الوقت لكي تصمت المذكرات الباهتة، والاجتماعات التلمعية ، وتتحرك لجان الحق على الأرض.
"والله غالبٌ على أمره"
مكتب رئاسة الجمهورية Office of the Presidency of the Republic of Yemen
مجلس القيادة الرئاسي اليمني Yemeni Presidential Leadership Council
رئاسة مجلس الوزراء اليمني
وزارة التربية والتعليم - اليمن