آخر تحديث :الخميس-16 يوليو 2026-12:33ص

الحوثي .. ومعركة الرمال المتحركة

الخميس - 16 يوليو 2026 - الساعة 12:32 ص

مطيع الاصهب
بقلم: مطيع الاصهب
- ارشيف الكاتب


لا تبدو الرمال المتحركة مخيفة للوهلة الأولى. تبدو هادئة، ساكنة، وكأنها قطعة أرض عادية تصلح للوقوف عليها. لكن سرها ليس فيما يظهر، بل فيما تخفيه. تمنح القادم إليها ثقةً مؤقتة، ثم تبدأ بسحب قدميه ببطء، حتى يصبح كل جهد يبذله للنجاة سببًا في غرقه أكثر.


هكذا هي بعض المعارك.

ليست الهزيمة دائمًا نتيجة ضربةٍ يتلقاها الخصم، وإنما قد تبدأ من المكان الذي اختاره لنفسه، دون أن يدرك أنه يقف فوق أرض لا تعرف الثبات.

واليوم، يبدو أن جماعة الحوثي تواجه هذا النوع من المعارك.

فعلى امتداد سنوات، استطاعت أن تفرض حضورها بالسلاح، وأن توسع نفوذها بالقوة، وأن تعتقد أن الزمن يسير في الاتجاه الذي تريده. غير أن الزمن في اليمن لا يسير على خط واحد، والمجتمعات لا تُحكم إلى الأبد بالخوف، والدولة لا تُبنى بمنطق الجماعة.

كل خطوة يظن الحوثي أنها تعزز موقعه، تفتح أمامه أسئلة جديدة. وكل محاولة لإحكام القبضة تكشف حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتسع من حوله. وما كان يُقدَّم على أنه مصدر قوة، أصبح يحمل معه أثقالًا يصعب التخلص منها.

الرمال المتحركة لا تحتاج إلى خصم يدفعك إليها، فهي تكتفي بأن تستمر في الحركة تحت قدميك. وكذلك الحال مع المشروعات التي تدخل في صراع مفتوح مع المجتمع، وتستنزف مقدرات الدولة، وتراهن على القوة أكثر من رهانها على قبول الناس.

ولهذا، فإن أخطر ما يواجه الحوثي اليوم ليس فقط خصومه في الميدان، وإنما الأرض التي يقف عليها. فالأزمات المعيشية، واتساع دائرة السخط، وتبدل المزاج العام، وتحولات المشهد الإقليمي، كلها تجعل مساحة الثبات أضيق من أي وقت مضى.

وفي تاريخ الأمم، لم تسقط كل المشروعات لأنها هُزمت في معركة، بل لأنها فقدت الأرض التي كانت تحملها قدرتها على الاستمرار. وعندما يحدث ذلك، يصبح كل تقدم ظاهري مجرد محاولة لتأخير لحظة لا يمكن منعها.

ولهذا، فإن معركة الحوثي الحقيقية ليست مع خصومه وحدهم، وإنما معركة مع الرمال المتحركة التي صنعها بنفسه. وكلما ظن أنه أحكم السيطرة، اكتشف أن الأرض تنسحب من تحت قدميه بصمت.

فالرمال المتحركة لا تصرخ، ولا تهدد، ولا ترفع راية... لكنها تعرف كيف تبتلع من يظن أن الوقوف فوقها انتصار.