آخر تحديث :السبت-04 يوليو 2026-02:07ص

كسر العظم بين القبيلة والحوثي.. أربعة مسارات محتملة

السبت - 04 يوليو 2026 - الساعة 12:54 ص

محرم الحاج
بقلم: محرم الحاج
- ارشيف الكاتب


لم يكن انتقال القبائل اليمنية إلى مربع "مطارح الكرامة" في منطقة "الريان" بمحافظة الجوف مجرد احتجاج محلي عابر أو رد فعل مؤقت؛ بل هو قرار استراتيجي حاسم بالاعتماد على الذات لصد الصلف والغطرسة الحوثية التي بلغت مداها...


هذا الحراك الواسع، الذي جاء تلبيةً لداعي "النكف" الذي أطلقه الشيخ حمد بن فدغم الحزمي، سرعان ما تحول إلى مركز ثقل ومغناطيس يجذب الوفود القبلية من مختلف المحافظات، ليعيد إلى الأذهان أبهى صور التلاحم القبلي اليمني في المنعطفات التاريخية الكبرى.


والحقيقة أن الشرارة التي فجّرت هذا الموقف تجاوزت حدودها الشخصية لتلامس عمق الوجدان والوجاهة اليمنية؛ فقضية "ميرا صدام حسين" —التي بدأت بنزاع عقاري في صنعاء وانتهت بمصادرة المنزل واحتجاز المرأة من قبل المليشيا— تحولت إلى قضية رأي عام تمس "الأعراف والكرامة".


بالنسبة للمقاتل القبلي، يمثل السلوك الحوثي الفج تجاه النساء والحقوق الخاصة "عيباً أسود" وخطاً أحمر ينسف ما تبقى من هيبة الأسلاف والأعراف، في المقابل، ترى المليشيا في أي تكتل قبلي مستقل خارج عباءة "الولاية" تهديداً مباشراً لسطوتها المطلقة يجب تركيعه وتفكيكه فوراً.


هذا الفرز الوجودي يضع الطرفين اليوم أمام مواجهة حتمية، مرشحة للانفجار وفق أربعة مسارات محتملة:

1- حرب العصابات واستنزاف الكمائن (الأرض المحروقة ضد الكر والفر):

يدرك الحوثيون جيداً خطورة ترك "مطارح الريان" تتضخم لتصبح مركز استقطاب عسكري، ولذا قد يندفعون نحو التحرش الميداني عبر القصف المدفعي أو سلاح المسيرات لفض المطارح بالقوة. في المقابل، لن تنجر القبائل إلى حرب جبهات تقليدية تفتقر فيها للغطاء الجوي والتسليح الثقيل، بل ستعتمد على حرب عصابات شرسة مستغلة طبيعة الجوف الصحراوية والممرات الجبلية المحيطة بالريان. هذا السيناريو سيقود حتماً إلى إنهاك شديد لخطوط إمداد الجماعة، وتحويل صحراء المحافظة إلى مستنقع يستنزف مخزونها البشري دون قدرة فعلية على تثبيت السيطرة.


2- خيار "الصدمة والترويع" والاجتياح العسكري الخاطف:

هناك احتمال أن تلجأ الجماعة إلى خيار انتحاري وخشن للغاية، مستخدمةً الصواريخ الباليستية والمسيّرات الانتحارية لضرب المطارح واستهداف رموزها القبلية قبل أن تتبلور في هيكل عسكري ذي قيادة موحدة. الرهان الحوثي هنا يعتمد على فائض القوة لكسر الإرادة القتالية وإحداث صدمة معنوية تردع بقية القبائل. ورغم أن هذا الهجوم قد ينجح في تفريق الحشود جغرافياً على المدى القصير، إلا أنه سينبش عش دبابير من الثأر القبلي الممتد؛ إذ ستتحول القبائل من الدفاع المفتوح إلى خلايا مقاومة سرية تنفذ عمليات اغتيال واستهداف مستمر للمشرفين والقيادات الحوثية في المحافظة والمناطق المجاورة.


3 - تمدد المطارح وانفجار الطوق القبلي الشامل (وهو المسار الأكثر ترجيحاً):

هذا المسار نقرأ ملامحه بوضوح اليوم ونحن في الأسبوع الثاني للمطارح؛ حيث تحولت مظلومية "ميرا صدام حسين" إلى رمز جامع تجاوز الحدود الإدارية للجوف، حرك الحشود والمدد من مختلف المحافظات الشمالية والجنوبية. فالقبائل اليمنية باتت توقن تماماً أن انكسار الجوف يعني استفراد الحوثي بها واحدة تلو الأخرى، مما يدفعها لتحويل التضامن اللوجستي الحالي إلى جبهة قبلية عريضة عابرة للمناطقية. هذا التحول سيقلب موازين القوى شمالاً رأساً على عقب، ويضع الحوثي أمام حزام قبلي صلب يجبره على التراجع والانكفاء لحماية معاقله الرئيسية خشية انتفاضة مسلحة واسعة النطاق.


4 - المناورة الحوثية والاحتواء الناعم (تكتيك الهدنة المفخخة):

إذا استشعرت المليشيا الكلفة السياسية والعسكرية الباهظة للصدام المباشر في هذا التوقيت الحرج، فستلجأ إلى سلاحها التقليدي: تفكيك القبيلة من الداخل وإغراء الوجاهات. قد تقدم الجماعة تنازلات تكتيكية في القضية المفجرة للحراك (كإطلاق سراح المحتجزة، أو إعادة المنزل، وملاحقة المشرفين المتورطين ككباش فداء)، لعقد "صلح محلي" ينفرط معه عقد الإجماع القبلي في الريان. وفي تقديري، قد تقبل القبائل بالحل المباشر لإنصاف المظلومية العرفية مع بقاء أصابعها على الزناد وتطوير تسليحها، بينما سيستغل الحوثي الوقت لشراء الولاءات بانتظار اللحظة المناسبة للغدر والانتقام من رموز "النكف" بعد تفكك الحشود.


خلاصة الأمر: إن اختيار القبائل لعنوان "الكرامة" والدفاع عن الأعراف والحقوق يجعل من المستحيل على الحوثي إخضاعها بأساليب الترهيب المعهودة. القبيلة اليوم تشعر —وهي ترى زحوف المدد تأتيها من كل حدب وصوب— أنها تقاتل بمعزل عن الحسابات السياسية والتحالفات الحزبية الضيقة...


ما يعني أن أي مواجهة قادمة لن تكون حرب حدود أو مكاسب سياسية، بل ستكون أشد ضراوة وأطول عمداً، لأن المقاتل القبلي يدافع عن خيمته وعرضه وأرضه مباشرة.. وتلك محددات في العرف اليمني لا تقبل المساومة أو الانسحاب التكتيكي.

"والله غالبٌ على أمره"


مكتب رئاسة الجمهورية Office of the Presidency of the Republic of Yemen


مجلس القيادة الرئاسي اليمني Yemeni Presidential Leadership Council


رئاسة مجلس الوزراء اليمني